خلال عقدين من الزمن، مارست الكتابة بمختلف أشكالها ومستوياتها في العديد من الصحف والمنصات والمجالات، وكنت وما زلت، أتعلم وأتدرب وأثابر، فالكتابة حرفة ديناميكية تكره الهدوء والجمود والرتابة، وتعشق الحركة والتنقل والتأثر، فهي كالحياة في صخبها وتحولها وتلونها، خاصة في مثل هذه المرحلة الاستثنائية من عمر العالم الذي بدأت تتشكل معالمه وملامحه واتجاهاته.

وخلال هذه الرحلة المثيرة، قاربتُ الكثير من الزوايا والقضايا، ولامستُ الكثير من الأحداث والموافق، وناقشتُ الكثير من الأفكار والقناعات، وتلك هي الوظيفة الكبرى التي من أجلها وجدت الكتابة، منذ أن نقش/ رسم الإنسان الأول مشاعره ورغباته على الصخور والجبال. ولكن، ثمة قضية مهمة لم أستطع فهمها أو الوثوق بها في عالم الكتابة، ألا وهي مزاج القارئ.

القارئ، لا سيما الحديث، أشبه بلغز/ طلسم لم يعدّ بالإمكان حلّه أو تفكيكه، فقد تحوّل من مجرد «مستقبل» لكل ما يُكتب هنا أو هناك، إلى «مشارك»، بل ومنافس وموجه ومؤثر، الأمر الذي زاد الكتابة الكثير من الضغوط والأحمال والأعباء. والكتابة الحديثة بصحبة هذا القارئ المشاكس، تخلّت عن الكثير من عاداتها وتقاليدها وأدبياتها التي سيطرت لقرون طويلة. الكتابة الآن، أصبحت عملية «توافقية» بين طرفين/ ندّين رئيسين يملكان القدرات والتأثيرات نفسها.

ولكن، ماذا عن مزاج القارئ الحديث الذي أصبح كابوساً مزعجاً يؤرق الكتاب والمشتغلين في عالم الكتابة؟ وحتى لا أسقط في فخ الإجابة المستحيلة على هذا السؤال/ اللغز، سأطرح بعض الأمثلة/ التجارب التي يتعرض لها الكتاب:

يُطالبنا القرّاء كثيراً بالابتعاد عن التنظير والفلسفة، ولكنهم في نفس الوقت يشنون حرباً شعواء ضد كل من يكتب بلغة سهلة ومباشرة. يتهموننا دائماً بأننا نُمارس «جلد الذات» حينما ننتقد فكرة أو ظاهرة، ولكن بمجرد أن يكتب أحدنا عن جانب مضيء أو إنجاز وطني رائع، يُتهم بالتطبيل والتزلّف والنفاق. نكتب عن العادات والتقاليد والأعراف المجتمعية الجميلة التي نفخر بها، فنتعرض لسيل من الردود والتعليقات والتجريحات التي تتهكم على هذه النظرة الماضوية المتشبثة بالأمس، ولكن هؤلاء أنفسهم من يتهمون كل من يُثني على أي تقدم تقني أو علمي أو حضاري في دول العالم الأول، بالتغريب والتبعية والتقليد.

ومهما حاول الكتاب بكل ما أُوتوا من قوة وجرأة وتجربة، أن يصلوا إلى ذلك «المزاج المتقلّب» للقرّاء، فإن كل محاولاتهم، تبوء بالفشل.

وكما كانت البداية بسؤال، أنهي هذا المقال بسؤال لا يبحث عن إجابة، ولكنه قد يكون رداً مناسباً للسؤال/ العنوان أعلاه: ولماذا يهتم الكاتب أصلاً برأي القارئ؟