مع نجاح كل موسم حج تترسّخ قناعة العالم بكافّة أطيافه وأعراقه وشعوبه بريادة هذه البلاد، ووجاهة وأهمية دورها الإسلامي الكبير، الذي اصطفاها المولى –عز وجل- للنهوض به وبأعبائه المتزايدة، محقّقة بذلك دوراً حضارياً وإنسانياً ودينياً وتواصلاً بين الشعوب التي يأتي أفرادها من كل فجّ عميق، يبتغون فضلاً من الله ومغفرة في شهر عظيم يمحو البارئ فيه الخطايا من البشر كما يُمحى من الثوب الأبيض الدنس.

إن النجاح المذهل لحج هذا العام يؤكّد صدق الجهود وعظمة الإنجاز، وسداد الرؤية وعمقها، والعطاء الحضاري والإبداعي الذي اكتنف تلك الجهود المقدمة لضيوف الرحمن، وفق منهجية رصينة توخّت أعلى معايير الدقّة والاتقان للعمل الاحترافي المخلص. ولم تفلح - كالعادة - كل النيات الشريرة والقلوب المسكونة بالحقد والمشغولة بنجاحات الآخرين في أدلجة هذه الشعيرة العظيمة، ولا تسييس المُعتَقَد الديني النقي المبرّأ من الشبهات وزيف وضلالات من حاولوا تشويه ديننا الحنيف عبر سلوكيات لا تعكس صفاء نيّة ولا رغبة في خير يعمُّ أمّتنا الإسلامية التي هي في أمسّ احتياج لتضافر شعوبها واتحادها، حتى تبقى خير أُمّة أخرجت للناس فلا تضعف ويذهب ريحها بين الأمم.

نعم كان تحدّياً كبيراً المحافظة على روحانية هذا النُّسُك وتأديته في أجواء إيمانية لا يعكّر صفاءها سوء تنظيم أو عدم تقدير للظروف والمفاجآت الواردة في مناسبة عالمية محكومة بوقت ومكان محدّدين. تحدّياً لأنّ مثل هذا النجاحات المذهلة رغم تنوّع محاولات تعكير هذا الموسم دائبة منذ أن قيّض الله هذه البلاد للنهوض بشأنها خدمة لدين الله الحنيف والأمّة الإسلامية التي يفوق عددها المليار. لقد بات هذا التعامل الاحترافي المدهش والمنضبط بدقّة متناهية، بات أنموذجاً عالمياً يتدارسه الخبراء ويتملّى من منهجيته ودروسه العالم بأكمله، إذ تتحقّق فيه - بتوفيق الله وتأييده - خصوصية الحج وجوهر معناه في أن يكون «لا جدال ولا فسوق في الحج».

كل موسم تتبدّى فيه لمحات إنسانية عظيمة ومشرقة، تعكس استشعار الجميع بأهمية هذه الشعيرة وأهمية ضيوف الرحمن الذين قدموا من أصقاع بعيدة ليؤدّوا نسكهم، فنشاهد أعلى قمّة هرم المسؤولية في البلاد خادم الحرمين - أيده الله- يقف بنفسه على راحة ضيوف الرحمن وتذليل كل ما يحتاجونه دقيقاً كان أو جليلاً، مسخّرين كل جهد وطاقة وبذل لتحقيق هذا الشرف العظيم، فلا غرو إذاً أن نشاهد مئات المواقف للمشاركين من عسكر ومدنيين وهم يتسابقون لخدمة الحجاج في مناظر عفويّة لا تنتظر جزاء ولا شكوراً إلاّ من البارئ القدير.

إنه فخر عظيم أن يقيّض الله لهذه البلاد هذا الشرف الكبير الذي احتوته عبقريّة المكان والإنسان.