من المسلمات أن الخونة لا ضمير لهم ولا أخلاق ولا صلاح يرتجى، والحمد لله أنهم قلة، وأن نياتهم مكشوفة، بأحلام عبيطة، وأفعال مفضوحة لكل ذي إدراك ووعي.

نراهم بوجوه كالحة يصطفون على شاشات الأعداء متسابقين على تسجيل هدف خيانة، وهم منتشون بصفات تطلق عليهم تضخيماً، فهذا بروفيسور، وهذا ناشط حقوقي، وهذا مفكر أو إعلامي مناهض لسلطة بلاده، ويزداد غرورهم بما يهال عليهم من وهج وقيمة مؤقتة وأموال توازي قيمة خياناتهم.

يرحل الشخص منهم عن أرضه وهو فقير مُعدم، فلا يلبث أن يمتلك محطة بث أو منبراً للشرشحة والصراخ، أو مؤسسة تدعي الخير وحقوق الإنسان. وتستحلبهم بعض قنوات الأعداء للترويج لبرامجها السياسية المغرضة، فلا يلبث أن يزول الفقر، وتلتمع الصور.

ولكنهم يظلون منبوذين، مستوحدين حتى عن أقرب أهاليهم، فلا أسرة تعترف بهم، ولا مجتمع ولا قبيلة تقبلهم، بإساءاتهم المجحفة لكل تناغم وطني، ودأبهم على تشويه كل صورة جميلة للمملكة وشعبها وحكومتها لصالح أعداء الأمة والوطن، أشقياء ينخرون في أسس وطنهم بزعم حرصهم عليه، وهم أشبه بالضباع المسعورة الجائعة لا تتورع عن عض أجسادها وبتر أعضائها دون وعي.

منطقهم المريض يبدأ بجنون العظمة، وحب الشهرة عن طريق خالف تعرف، ثم اندفاعهم بكل قدراتهم إلى مسارات التخوين والتدليس وتشويه الصور والكذب الصريح وخلق القصص المكذوبة المفتراة على شعب يصفونه بالقطيع، وعلى رموز دولة أعجزت أعداءها.

وأكثر ما يرفع عقيرتهم بالشتيمة والسباب أن يتم إيقاف فاسد أو خائن أو عميل من قبل الدولة، فتنتثر عواطفهم على الشاشات العميلة يتباكون وينددون ويضعفون من حجم التهمة دون معرفة بالحقائق.

الشمس تجهر أعينهم المظلمة، وكم يزداد قهرهم وحسراتهم عندما يرون الشعب بأغلبيته العظمى متلاحماً مع دولته، ويترقى في جميع مجالات الحياة، وينعم بما يمتلكه من تقدم ورؤية وانفتاح، فيزيدهم ذلك غضباً وتخبطاً وزيادة في الكره.

لقد تقلصت أعداد من خدعوا بهم في البدايات، ولم يعد يجري خلف تشكيكهم وتباكيهم ووعودهم إلا فاشل عديم الوطنية ناكر لجميل أهله ووطنه عليه.

غربان شؤم، كلما لمحناهم على الشاشات بنشاز أصواتهم وتردي أخلاقهم وقاذع شتائمهم، كلما ازددنا يقيناً بتفاهة ما يحاولون أن يفعلونه بنا وبأفكارنا ووطننا ومستقبل أبنائنا، وكم يزداد احتقارنا لهم، حتى ولو حملوا لواء البيان والشهرة أو تميزوا بالألقاب الخادعة، وادعوا أنهم يفيضون بالخير والنصيحة والإصلاح، وأنهم يبحثون عن حقوق الإنسان، وحتى لو كذبوا بأنهم يعلمون ما لا نعلم من الأسرار والحقائق والمؤامرات الخفية.

وجودهم رغم قذاه للعين إلا أنه يعتبر دروساً مجانية لنا في تمييز الخيانة، ويزيدنا يقيناً بأن لنا عقولاً واعية تستطيع الفهم والمقارنة، واكتشاف مواطن الخلل، فمن يستمر جاهداً في تخوين كل تلك المعاني الجميلة، والأمن والأمان، الذي نعيشه يكون نشازاً، لا يؤتمن، ولا ينتظر منه إلا الشر والوقيعة والفساد والخراب.

الدولة التي نعرفها غير الدولة التي يعرفونها، والحياة الهانئة الطيبة الآمنة التي نحياها مختلفة عن عيشتهم المتلاطمة بالضغوط والممتلئة بالسلبية والاحتقار والخيانات المركبة بأيدي الشر، وهم يدركون أن حكومتنا يندر أن يوجد مثيل لها في الصبر والكرم والصفح والمناصحة، وكم من غاوٍ عاد وأناب فكانت له أحن من الأم الرؤوم.

ولكن من تخالطت الخيانة مع دمه، فلن يتمكن من النظر بعدالة للحقائق، ولن يغادر خوفه وشكه وكوابيسه، ولن يفكر في تغيير ما برأسه المريضة؛ لأنه للأسف لم يرضع في طفولته حليب الوطنية، ولم يجرب مشاعر التلاحم والوفاء الشعبي، ولم يعرف كيف يكون الإصلاح من الداخل بلسان قويم محترم، وعقل رزين يمتلك الأخلاق، وقلب نابض بحب الشارع، فلا يرتضي لوطنه وشعبه أي أذية من غريب حاقد، فكيف إذا ما كان هو ذلك الحاقد المؤذي.