الصورة العقلية التي تتكون في أذهان الناس عن الأفراد والمنظمات والمجتمعات تُبنى من خبرات الإنسان السابقة، وتجاربه، وعلاقاته، ومشاهداته، وحواسه، ومعلوماته، ويمكن إعادة إنتاجها وتعديلها عن طريق العمليات الاتصالية الناجحة، وأي تجربة جديدة يتم استقبالها وتفسيرها بطريقة من أربع طرق: إما تضيف إلى التصور الحالي الموجود معلومات جديدة، أو تدعم التصور الحالي، أو تحدث مراجعات طفيفة على هذا التصور، أو ينتج عنها إعادة بناء كامل للتصور.

وهناك أنواع عدة للصورة الذهنية، منها الصورة المـرآة التي نرى فيها أنفسنا، والصورة الحالية التي يرانا عليها الآخرون، والصورة المرغوبة التي نود أن نكون عليها في أذهان الجماهير، والصورة المُثلى التي نتوقع أن نصل إليها في التأثير على الجماهير، والصورة المتحددة التي تأخذ وقتاً طويلاً من وجهات النظر المتباينة لتتحدد في النهاية إما إيجاباً أو سلباً، أو محايداً أحياناً.

نحن في المملكة حكومة ومؤسسات وحتى مجتمعاً نعيد بناء صورتنا الذهنية في أذهان الآخرين، من خلال رؤية وطنية طموحة اختصرت الشيء الكثير في بناء المفاهيم، والعلاقات، والتحضير للمستقبل بمزيد من الانفتاح والمشاركة، حيث أسست تلك الرؤية في أول بند لها أن تكون المملكة العمق العربي والإسلامي، ومكمن القوة هنا وجود الحرمين الشريفين أطهر بقاع الأرض وقبلة أكثر من مليار مسلم، وغايتها بذل المزيد من الجهد لتقديم أفضل الخدمات، وتوفير الإمكانات، وتيسير وصول الحجاج والمعتمرين والزوار إلى المملكة بما يصل إلى 30 مليون إنسان سنوياً في 2030.

هذا العدد الكبير الذي وصلنا فيه حتى الآن إلى 19 مليون حاج ومعتمر وزائر من 180 دولة العام 2017 –بحسب هيئة الإحصاء- هو فرصة لتعزيز صورتنا الذهنية لبناء العمق الإسلامي الجديد، من خلال استثمار تلك الأعداد كسفراء للمملكة في نقل جهودها، وإمكاناتها، وتجاربها، ومواقفها الإنسانية للعالم، وبناء قوة ناعمة تتحدث بالنيابة عن السعوديين، وتنصف ما تقدمه بلادهم بعيداً عن أي حسابات أخرى، حيث تمثّل تلك القوة رافداً لا يستهان به؛ إذا ما عرفنا تعدد اللغات والثقافات والتخصصات التي سيتحدث بها هؤلاء عن المملكة، وحجم تأثير بعضهم في بلدانهم، يضاف إلى ذلك التوجه المحمود الذي سنّه قادة هذه البلاد، وفي عهد الملك سلمان تحديداً، من استضافة آلاف الحجاج ضيوفاً على مقامه الكريم من أبناء الشهداء في الدول العربية، فضلاً عن القوى الإسلامية الفاعلة، وهو ما ترك أثراً إيجابياً في نفوس الجميع.

وزارة الحج والعمرة أكثر السلطات المحلية في المملكة اهتماماً بهذا الملف، وأهمها في بناء الصورة الذهنية، من خلال تحويل الحج والعمرة ​والزيارة إلى رحلة مقننة وسهلة وميسرة في جو من السكينة والطمأنينة؛ لتبقى ذكرى مميزة ورائعة في ذاكرة الحاج و​المعتمر والزائر ​تحقق له الرضا، وتجعله سفيراً ينقل للعالم جهود المملكة في خدمة ضيوف الرحمن، وهو فعلاً ما يتحقق من خلال مبادرات نوعية تستهدف بناء تلك الصورة مباشرة، وتهيئة الأنظمة والتنظيمات والإجراءات التقنية، وتعزيز الشراكات، وتنسيق الجهود، وتذليل كافة الصعاب بين جميع العاملين أفراداً ومؤسسات، وهو ما رأينه ظاهراً في موسم الحج الحالي، حيث كانت الجهود مسخرة نحو النجاح الذي هو حجر الزاوية في تحسين الصورة الذهنية، والبناء عليها للمستقبل.

ذاكرة الحاج وذكرياته هي أيضاً المادة التي نبني عليها إعادة إنتاج الصورة عن المملكة، واستثمار الانطباع الذي يبقى طول العمر للتعبير عن الإمكانات التي رآها، والخدمات التي استفاد منها، والمواقف الإنسانية التي مرّ بها، والأماكن التي تنقّل فيها، وحتى الصور التي التقطها في مكة والمدينة والمشاعر المقدسة، حيث تشكّل في مجموعها مادة ثرية ترويها أجيال عن أخرى، وتستمر فترة طويلة من الزمن تكون المملكة حتماً في الذاكرة الجميلة التي لا ينساها، وهنا يتزايد العمق الإسلامي للمملكة، وتبرز القوة الناعمة إلى حيز الوجود، ونصل معها إلى الصورة الذهنية المثلى التي نكون فيها مؤثرين.