من أعظم ما كسبناه في الأعياد القليلة الماضية أن اختفى بيت المتنبي الشهير (عيد بأية حال عدت يا عيد) من أفواه وأقلام الكتاب والمثقفين والمعلقين والمربين والمدرسين وعموم المواطنين. في زمن مضى كان هذا البيت من أهم العلامات التي تدل على العيد وأفضل التعابير للمشاركة فيه، لا أعلم هل اختفى لأن الحال تغيرت أم لأن الناس ملّت من تعبير واحد يكرر عاماً بعد عام أم لأن الحال ازدادت سوءاً فتطلب الأمر بيتاً شعرياً جديداً لم يكتب بعد. على كل حال وصلتني قصيدة ينسبها باعثها أو (مفرودها) لنزار قباني، تلمس فيها روح ومفردات نزار قباني. تعبر هذه القصيدة عن الحال قبل أربعين سنة، التحسر على حال العرب والشكوى مما حل بهم مع تنبؤ بمستقبل مظلم.

عندما تتأمل في القصيدة والأسباب التي دفعت الناس إلى تكرار بيت المتنبي سنوات طويلة ستجد أن الأصل واحد، يشكو الشعراء العرب ومثقفوهم ودعاتهم من تفرق الأمة، زرعت الخيبات السياسية في رؤوس العرب أن تخلفهم سببه تفرقهم. شعوب صغيرة لا تملك أرومة كبرى تنتمي إليها صارت من الأمم المتفوقة، فنلندا، هولندا، بلجيكا نماذج شاخصة للتقدم والرقي والسلام والحياة المرفهة. ردد السياسيون العرب في الستينات أن عز العرب وتفوقهم يكمن في وحدتهم وعندما فشلت طوبوياتهم جاء الإسلاميون وحملوا نفس الراية بكامل حمولتها من الشعارات، أن تصبح الجزائر ومصر وعمان والسعودية والعراق.. إلخ، دولة واحدة. لم يسأل أحد ما الذي يمكن أن تضيفه الوحدة لو قامت، لا يوجد سبب واحد يدعو الجزائر أن تتوحد مع الصومال أو أن تتوحد لبنان مع العراق أو السعودية مع موريتانيا، الأمر أبعد من قدرة الخيال على صياغته. هدف لا معنى ولا قيمة له ولا يمكن أن يتعامل معه العقل السوي.

عندما تقرأ منشوراً لشركة كبرى سيطالعك في البداية شعاران الأول تحت عنوان (رؤيتنا) والثاني تحت عنوان (هدفنا)، الأول يصيغ فلسفة الشركة وتطلعاتها البعيدة وما تريد أن تضيفه للمجتمع أو للبشرية، والثاني يصيغ ما تريد الشركة تحقيقه على أرض الواقع، في حال العرب تناقضت الرؤية مع الأهداف، الوحدة هي الرؤية والأهداف محلية تسعى لتكريس الدولة القُطْرية، لا يوجد أحد يعمل في اتجاه الوحدة، يشي هذا أن الجميع يرون أن فكرة الوحدة كلام فاضٍ لكنها مستقرة في النفوس كعقيدة أو إيديولوجيا تمنح الراحة من عناء الفشل. مادة مخدرة لا تعطي مفعولها الكامل إلا إذا تم تناولها مع جرعة من نظرية المؤامرة.