قبل أيام انتهى المؤتمر السنوي لجمعية علماء النفس البريطانيين.. وفي التقرير الخاص بالعبقرية أيد معظم المشاركين البحث المقدم من الدكتور مايكل هاو من جامعة أيسكس في أن العبقرية تعود للمثابرة والعمل الدؤوب وليس إلى الأصل الوراثي..

وهذا الادعاء مثال على ما أسميه «أرجحة البندول» في الوسط العلمي؛ فمرة تميل الكفة لهذا الجانب، ومرة لذلك الجانب - ونادراً ما تعترف باختلاط الطرفين!

فالبحث عن سر العبقرية يتطلب الاعتراف بدور الوراثة والبيئة والاطلاع على عدد لا يستهان به من الدراسات الجادة..

فكثير من الدراسات المشهورة لم تنكر دور الوراثة في النبوغ والتفوق، غير أن الدور الوراثي هنا قد لا يعني أكثر من توفر الاستعداد «والبيئة الخصبة» لإنماء العبقرية. ويعتبر السير فرانسيس غالتن أول من لفت الأنظار لدور الوراثة في مؤلفه القيم «العبقرية الوراثية» العام 1869. ففي رأي غالتن أن العبقرية عرق وراثي يتناقل في أسر معينة أو إلى أسر أقل مستوى بفضل التزاوج!

ولتدعيم رأيه المتعصب حول المسؤولية الكاملة للوراثة «خصوصاً أنه هو نفسه سليل أسرة معروفة بتفوق أفرادها العلمي، وكان تشارلز داروين ابن خالته» أورد في كتابه قوائم لسلسلة أسر فذة لإثبات أن العبقرية يمكن أن تتوارث مثل مظاهر الصحة والمرض!

ولكن - من الجهة المقابلة - يلاحظ أن ذات المثال استعمل لتأييد وجهة نظر المدرسة المرجحة لدور البيئة؛ فهي تفسر ميل العباقرة للظهور في الأسر الراقية إلى قدرة هذه الأسر على توفير التعليم الممتاز والظروف المناسبة، مما يساعد على ظهور أكثر من عبقري في محيطها الواسع!

أيضاً بالإضافة للبيئة والوراثة هناك دور «التأثر والاقتداء» في بناء العبقرية، فمن الملاحظ أن كثيراً من جهابذة الفكر والعلم احتكوا أو تعرفوا في سنواتهم الأولى على نماذج عظيمة تأثروا بها.. فقد أثبتت التحريات أن 68 % من العظماء ترعرعوا في ظل مشاهير، وأثبتت دراسة زكرمان «1977 Zukerman» أن نصف الحائزين على جائزة نوبل في العلوم تتلمذوا على أيدي علماء سبق لهم الحصول على هذه الجائزة!!

أيضاً تعاضدت الدراسات لتأكيد فكرة أن العبقري في الغالب طفل بكر أو وحيد أبويه؛ فعلى سبيل المثال أظهرت دراسة آل غورتسل على 314 عبقرياً أن 30 % منهم كانوا من الأبكار.. وقد يعود السبب إلى أن الطفل الأول أو الوحيد يجد من الأبوين اهتماماً أكبر، وحرصاً أشد على رفع مستواه العلمي - قبل التساهل مع الآتين بعده.

أيضاً ثبت أن نسبة كبيرة من العباقرة كانوا «من الأيتام»؛ فلينين وبيتهوفن ونيوتن وهتلر كانوا من الأيتام الذين عاشوا في رعاية أم متسلطة. وفي عينة كوكس ستانفورد حول 300 من المشاهير اتضح أن ما بين «22 إلى 31 بالمئة» كانوا من الأيتام.

أيضاً أثبتت دراسة آل غورتسل أن 80 % من العباقرة جاؤوا من الطبقة المتوسطة «ولم تقل النسبة في عينة بلندل عن 60 %»..

كل هذه العوامل المتشابكة «وغيرها كثير» تجعلنا نفترض أن الرأي الوحيد الذي تبنته الجمعية البريطانية ليس سوى عامل واحد من عوامل نفسية وعصبية وأسرية واجتماعية تصيغ العبقرية وتشكل العباقرة!