يحقّ لنا جميعاً أن نفخر بهذا النجاح لشعيرة الحج العظيمة؛ من تفويج للحجاج بين منى وعرفات ومزدلفة في انسيابية لافتة رافقت تلك المراحل، تحفّها رعاية وحُدْب وخدمات جليلة سخّرتها بلادنا لضيوف الرحمن مع متابعة دقيقة لكل ما من شأنه تهيئة سبل الراحة والسعادة لهم فهم «في قلب المملكة».

وهي جهود تبذلها حكومة خادم الحرمين تؤكد تعظيم شعائر هذا النّسُك، فقد استطاعت -بفضل الله- أن تنهض بمسؤوليتها التاريخية والدينية أمام العالم أجمع تجاه القيام بالمسؤولية الكاملة لشعيرة الحج، حيث ارتقت الخدمات والرعاية والاحترافية في إدارة الحشود بشكل كامل حاز تقدير العالم وإعجابه بهذه الدّقّة المتناهية التي تعكس تراكماً في جودة الأداء وفاعليّته وانضباطيته.

الحج يجب أن يكون بعيداً عن أي تجاذبات أو صراعات من أي نوع، ففيه تتضح ملامح الدين العظيم بتسامحه وإشاعته لمبادئ الاحترام بين المسلمين وانصهارهم في روح إسلامية مُحبّة للخير والسلام والفضيلة، ينظمهم خيط الأخوّة الدينية التي لا تفرّق بين لون وعِرق وجنس.

ولعل الأجمل هو العيد؛ حيث إثبات الأُمّة وجودها الروحاني في أجمل معانيه، وليس العيد كما يقول أحد الكُتّاب إلاّ «تعليم الأُمّة كيف تتّسع روح الجوار وتمتدُّ، حتى يرجع البلد العظيم وكأنّه لأهله دار واحدة، يتحقَّق فيها الإخاء بمعناه العملي، وتظهر فضيلة الإخلاص مستعلنة للجميع، ويُهدي الناس بعضهم إلى بعض هدايا القلوب المخلصة المحبة، وكأنَّما العيد هو إطلاق روح الأسرة الواحدة في الأمة كلِّها».

في الحج تجلّى السلوك الحضاري المنضبط المتوازن لضيوف الرحمن بأدائهم لنسكهم بأنموذج مثالي مدهش تحقّق فيه أجمل تظاهرة إسلامية للتواصل بين شعوب العالم توّجوه بذوبانهم جميعاً في بوتقة التلاحم التي تنفر من كل اختلاف وتمييز حيث الكل سواسية لا فضل فيهم لعربي على أعجمي إلا بالتقوى فالعمل الصالح المخلص هو المعيار لكل عمل.

ولعل من الإنصاف التنويه بالمشاهد الإنسانية التي وثّقتها عدسات المصوّرين وفضائيات العالم لرجالات الأمن وكل المرتبطين باستقبال ضيوف الرحمن من مشاهد إنسانية آسرة وعفوية تثبت رهافة أبناء الوطن وبناته وشساعة أرواحهم ومثاليتهم في تقديم الخير وإعطاء صورة حقيقية عن قيم وأخلاق وسلوكيات تجسّد سماحة ديننا الإسلامي وتسامحه وخيريّته.