نحمد الله سبحانه وتعالى أن منّ على حجاج بيت الله أداء مناسك الحج في أمن وسكينة وروحانية. وهي نعمة نعرفها كسعوديين، ونحمد الله عليها قبل غيرنا لمعرفتنا بأهمية الأمانة الملقاة على عاتقنا بدءاً من خادم الحرمين الشريفين وولي عهده - يحفظهما الله - إلى بقية المواطنين من مسؤولين مباشرين أو مواطنين مرحبين، ولا تسعهم فرحة استضافة ضيوف الرحمن.

وبعد تسجيل ذلك لا بد من تسجيل موقف تقدير لسمو أمير منطقة مكة الأمير خالد الفيصل الذي وضع النقاط على الحروف، وقطع قول كل خطيب أكاديمي لا يزال يدور في فلك النظرية ولم يعرف تفاصيل الميدان بعد، أو مسوق يتاجر بمناهج البحث العلمي وأدواته لتسويق برامج ظاهرها المعرفة وباطنها التسويق. نعم الأمير خالد الفيصل وضع النقاط على الحروف أمام من ينادي باستقطاب خبرات الشركات العالمية لإدارة الحشود وفق النظريات العلمية. ويدرك المتابع الدقيق أن العلم والمعارف والمهارات والخبرات تراكمية، وأن نظريات الحشود وإدارتها منذ غوستاف لبون «1895» مروراً برالف تيرنر ووصولاً إلى منظري الثورة الرقمية والحشود لا تزال تراوح في مهدها المعرفي، وأن نظرياتهم لم تخرج بعد عن القياس على مناسبات رياضية أو فنية محدودة لا تقارن بالحج وعدد الحجاج وروح المكان. وبالتالي فالمقارنة لا ولن تستقيم، بل مهما بلغت خبرات ونظريات الحشود من تميز، إلا أنها فشلت في ضبط تداعيات تلك التجمعات في دول الغرب والشرق، حيث الفوضى هي سمة الوصم للعقل الجمعي الذي فشلت النظرية بالارتقاء بالفرد وعقلنته قبل شيطنته.

نحن هنا نعرف أننا نتعامل مع ضيوف الرحمن بشكل خبرات متوارثة عبر الأجيال منذ آلاف السنين، وأهل مكة أدرى بشعابها كما تقول العرب قاطبة، ولم تتشكل لدينا فقط النظريات والمعارف والمهارات، وإنما أصبح لدى كوادرنا من المواطنين ثقافة اسمها خدمة الحجاج في دائرة حياتية سنوية تشعرنا بالفخر بالمنجز وبتراكم الخبرات والاستعداد المتوارث. فشكراً خالد الفيصل عندما قلت للجميع: «نحن الخبراء في إدارة الحج». وهي كلمة تؤسس لمرحلة معرفية جديدة حتى لا يأتي من يعيد إلينا سنوياً نظريات إدارة الحشود التي بدأت تدخل حيز النقد والتبديل في مهدها الغربي.

وأول مؤشرات التبديل أن الحشود ليست قطعاناً منفلتة يغيب فيها عقل الفرد ويحكمها عقل القطيع. نعم، نحن خبراء إدارة الحج؛ لأن كل حاج بالنسبة لنا هو قمة العقل والأخلاق والكرامة والتميز، وجدير أن نقوم بخدمته لذاته وليس لمكانته في مجتمعه. فالحاج الفقير في بلده بأعيننا غني، والإنسان البسيط عندنا رفيع، فهو ضيف الرحمن الذي أكرمنا الله بخدمته. ولذا نحمد الله على أن مكننا من هذه الخدمة التي ننتظر الثواب من الباري، وليس المديح من البشر أو قنوات الفتنة. ولكن عن أنفسنا نعتز ونقول مع أميرنا: «نحن الخبراء في إدارة الحج».