كنت أسكن فترة سحرية دامت عدة أشهر لم أغادر فيها منزلي لأسباب فكرية وإبداعية تجعل الحاسوب شارعي ومطاري وحقيبة أسفاري.

وحدث أن زال عني غبار السحر فخرجت إلى عالم البشر الحقيقيين لأكتشف وطني من جديد، وأودع جارة الوادي، التي طربت وعادني ما يشبه الأحلام من ذكراها.

توجهت إلى بعض الأسواق القريبة من منزلي، ثم نشرت جناحي على مدرج المطار وعانقت السحاب متمماً جولات حميمة في بعض ربوع بلادي، التي علينا تنادي.

وبدهشتي وجدت المعجزة قد حدثت في الأشهر الأخيرة بقوة واقتدار، ورأيت بأم عيني أن المارد النسوي قد غادر القمقم القديم، وأن قوته الناعمة قد برزت وتغلغلت بكل ثقة في مهن كانت تعويذة الزمن تمنعه من الوجود فيها، فأثبتت حقيقة ما تمتلكه من عزيمة وقدرات وتمكن وحرية منضبطة.

لقد أصبحت المرأة السعودية موجودة في كل الأمكنة التي لم أعهدها فيها من قبل، وهي تقود السيارات في الشوارع، وتعمل في المحلات التجارية على اختلافها، وفي المطارات وجدتها على مكاتب الحجز والترحيل، وفي نقاط الجوازات تقوم بترتيب دخول المسافرين وتسهيل إجراءاتهم، وتقوم بتفتيش النساء، وتعمل في الأمن، وها هي توجد في كل الحالات الإنسانية ومختلف متطلبات الحياة.

القوة السعودية الناعمة خرجت من قمقمها فأبهرت الكون بقبولها لمختلف الوظائف المتوسطة والبسيطة، التي كانت حصراً على الأجانب، وكان الرجل السعودي لا يجد نفسه فيها، فأبدعت وتميزت في التغلغل بخبايا سوق العمل، وتجشمت الصبر العظيم، وأبدعت في التعلم والإصرار على تحقيق كل أمانيها الجديدة والمستقبلية.

حياة خير وأمل وإيجابية، فكم من بيت تمكن هذا المارد من فتحه، وكم من أنفس علية ارتقت من خلاله بذاتها وتعالت على كل مصاعب الحياة لتبرز المكنون في جوفها من قدرات إنسانية عظيمة، تعرف كيف تقنع العالم بأنها ليست فقط مخلوقاً للبيت والمطبخ، وأن قمقمها القديم قد تحطم من دون عودة.

وفي موسم الحج الحالي شهدنا المشاركات الإنسانية المبهرة لآلاف من بناتنا السعوديات، في رفادة وضيافة وتنظيم موسم الحج بأيادٍ ناعمة، تبحث عن الأجر.

حقيقة؛ يحق للسعوديين الفخر بتلك المشاركات النسوية، التي وجدناها عند المسؤولية والحشمة والمشاركة الملتزمة المرجوة، فلا يردعهن ريح، ولا تعطلهن أمواج اليأس، ولا تتمكن بعض الحوادث الفردية من هز مكانتهن الناهضة بحياتهن وأسرهن ومستقبلهن، والتي سبق وأن شهد لها العالم في التميز والعلوم والمخترعات ومسارات التعليم والعمل الصحي والفني والمراكز العليا في الدولة والقطاع الخاص، ونحن ندرك أن نساءنا سيملأن المعامل والمصانع ومراكز الأمن وجميع المهن الإنسانية كبيرها وصغيرها.

المارد تحرك بسرعة وإبهار وإعجاز، ويبدو أن بعض الشباب السعودي لم يستوعب الدرس بعد، بأن الوظائف ليست للبليد ولا للمتأنق المتعالي، ولا للمتهاون ولا لمن يعتقد أنه بضاعة نادرة لا يمكن منافستها. البقاء والهيمنة اليوم للأصلح والأكثر تجويداً وإخلاصاً وتفانياً للعمل، فقد ولى زمن التشكي والتحجج بالخصوصية، وترك الأمر بيد الأجنبي.

الأيدي الناعمة حضرت بكل قوتها النفسية وإصرارها الإيجابي وحبها المنفتح للتعلم وسرعة تجويد ما لم يكن مسموحاً لها به في قمقمها القديم، وهي اليوم تبهر العالم بما تمتلك وما تستحق أن تكون.

لقد كان ما فعلته الرؤية عظيماً، فنقصت أعداد الأجانب بيننا، وكان أن تحركت القوة الناعمة، وكان أن حدثت المنافسة بين الرجل السعودي وشريكته المرأة، فحدث أن وجدنا ذاتنا بذاتنا، وعرفنا قدراتنا بأنفسنا، وعما قريب لن يكون بيننا عاطل، أو متخاذل، وسيتم التدرب على أداء جميع المهن، مهما كانت مستنكرة في السابق من مجتمعنا، والقادم أفضل بإذن الله.