دخلت أميركا والاتحاد السوفييتي (في الخمسينات والستينات من القرن الماضي) في منافسة كبرى في كل ناحية من نواحي الحياة، عسكرياً وطبياً وتقنياً وحقوق إنسان. توجت هذه المنافسة بأن وطأت قدم أميركية سطح القمر في إنجاز تاريخي فاق الخيال. من عظمة هذا الإنجاز وادهاشه أن عجز وما زال بعض البشر عاجزاً عن تصديق الحدث. لم يأتِ هذا الإنجاز لتحقيق أرباح مادية، كانت خسائره كبيرة جداً ومردوده المادي تقريباً لا شيء، هدف المنافسة كسب إعجاب وولاء البشر وهزيمة خصمهم على المستوى العلمي والتقني. كان رد فعل الأميركان شجاعاً واتسم بجرأة إنسانية غير مسبوقة، من الواضح أن الضربة السوفييتية آلمتهم أشد الألم.. فاجأ السوفييت العالم بأن أرسلوا أول إنسان إلى الفضاء، إنجاز هز العالم وأثار موجة من الإعجاب الكبير بالاتحاد السوفييتي، لم يبق أمام الأميركان سوى العمل لتحقيق قفزة نوعية إذا أرادوا العودة للريادة، اضطروا في النهاية إلى استعارة تقنيات من المستقبل كما قال أحد المحللين لتحقيق حلمهم بالتفوق.

بعد أكثر من سبعين سنة على الإنجازات الأميركية والسوفييتية يعلن رئيس وزراء الهند استعداد بلاده لإرسال رائد فضاء هندي إلى الفضاء بتكنولوجيا هندية خالصة، لا يشي هذا الإنجاز الهندي بأي شكل من المنافسة ولكنه إعلان حضور والرغبة في التعبير عن قدرات بلاده وربما لأهداف عسكرية.

الهند دولة كبرى، عدد سكانها هائل، تعاني أكثر من أي دولة أخرى من مشكلات تتعلق بالفقر المدقع حتى أصبح الهندي مضرب مثل للجوع والفاقة والعوز. عدد السكان الهائل وتعقيداتها الثقافية جعلها أمة تعاني أيضاً من أشد أنواع الطبقية المقيتة، من شدة العنصرية تم تقسيم المجتمع إلى طبقات يبلغ فيها درجات الاحتقار أن خصصت طبقة من المجتمع لتنظيف المراحيض وبلغ الاحتقار أن يحظر على هؤلاء لبس القفازات أثناء عملهم، يتوجب تنظيف المرحاض بأيديهم العارية، دون أي اعتبار للكرامة الإنسانية أو الأمراض.

ما الذي يمكن أن يقدمه برنامج فضاء لهؤلاء البشر المسحوقين بالفقر والطبقية، هذا التناقض يفتح الباب للتأمل في الأهداف بين الاحتياجات الإنسانية الحقيقة وبين الطموح السياسي عند بعض قيادات الشعوب، كم المبالغ التي ستصرفها الهند لتحقيق حلمها الفضائي وكم ستخسر من أموال كانت ستنفقها في أبحاث واختراع تقنيات لحل مشكلاتها الأصيلة.

لا أعلم ما الأبحاث التي تُجرى في مختبرات المملكة العلمية وما أهداف البلاد على المستوى العلمي، ثمة طريقان لتسخير الأبحاث إما منافسة العالم كما فعلت الهند أو تسخير البحث العلمي لحل مشكلات المملكة الأصيلة، كالتصحر وموجات الغبار وشح المياه وغيرها.