إذا كنت في كل الأمور معاتباً

صَديقَكَ لَمْ تَلْقَ الذي لاَ تُعَاتبُهْ

من الرأي سامح صاحبك لا تعاتبه

إلى زل أو أبطا بشيٍّ تراقبه

الحياة بلا أصدقاء صحراء.. والعرب يعون جيداً وحشة الصحراء في الحِسّ والمعنى، كما أنهم أمة نبيلة.. من شيمهم المروءة والشهامة وفروسية الحلم والوفاء، والحرص على الصحبة الراقية والعشرة الطيبة، والصبر على أخطاء الصديق، فكل البشر يُخطئون، ومن لا يعذر صديقه يتركه الدهر بلا صديق، ومن الأدلة على تقدير العرب للصداقة والصديق أنهم يسمون الأصدقاء (الإخوان)، ويرد الحديث عنهم في كتب التراث العربي بعنوان:(باب ما جاء في الإخوان) ولكن العرب -كأمة وضوح ووفاء وصدق- يكرهون التكلّف، وينهون عن اللحاق (بالمقفي) .. ومن الشعر الذي سار على كل لسان في هذا الباب:

(إِذا المَرءُ لا يَرعاكَ إِلّا تَكَلُّفاً

فَدَعهُ وَلا تُكثِر عَلَيهِ التَأَسُّفا

فَفِي النَّاسِ أبْدَالٌ وَفي التَّرْكِ رَاحة ٌ

وفي القلبِ صبرٌ للحبيب ولو جفا

فَمَا كُلُّ مَنْ تَهْوَاهُ يَهْوَاكَ قلبهُ

وَلا كلُّ مَنْ صَافَيْتَه لَكَ قَدْ صَفَا

إذا لم يكن صفو الوداد طبيعة ً

فلا خيرَ في ودٍ يجيءُ تكلُّفا

ولا خيرَ في خلٍّ يخونُ خليلهُ

ويلقاهُ من بعدِ المودَّة ِ بالجفا

وَيُنْكِرُ عَيْشاً قَدْ تَقَادَمَ عَهْدُهُ

وَيُظْهِرُ سِرًّا كان بِالأَمْسِ قَدْ خَفَا

سَلامٌ عَلَى الدُّنْيَا إذا لَمْ يَكُنْ بِهَا

صَدِيقٌ صَدُوقٌ صَادِقُ الوَعْدِ مُنْصِفَا)

(تُنسب للإمام الشافعي)

ويقول بشار بن برد:

(إذا كنت في كل الأمور معاتباً

صَديقَكَ لَمْ تَلْقَ الذي لاَ تُعَاتبُهْ

فعش واحدا أو صل أخاك فإنهُ

مقارف ذَنْبٍ مَرَّة ً وَمُجَانِبُهْ)

وقريب منه قول ابن مسلّم:

(من الرأي سامح صاحبك لا تعاتبه

إلى زل أو أبطا بشيٍّ تراقبه

خذ ما تيسَّر منه واستر خماله

إلى عاد نفسك في ملاماه راغبة

فان كنت في كل المشاحي موادب

رفيقك ما تلقى الذي ما توادبه

فمن لا يسامح صاحبه عند زلّة

خلاه صرف البين من غير صاحبه)

ويرى المتنبي أن شر البلاد التي ليس فيها صديق:

(شَرُّ البِلادِ بلادٌ لا صَديقَ بِها ...

وَشَرُّ ما يَكْسِبُ الإنْسانُ ما يَصِمُ)

ويرى أبو فراس الحمداني أن جمال الصداقة في الصبر على الصديق، وستر زلة الرفيق، والحنو عليه حين يزل ويخطئ، ودوام الصفح والسماح:

(يَجني الخَليلُ فَأَستَحلي جِنايَتَهُ

حَتّى أَدُلُّ عَلى عَفوي وَإِحساني

وَيُتبِعُ الذَنبَ ذَنباً حينَ يَعرِفُني

عَمداً وَأُتبِعُ غُفراناً بِغُفرانِ

يَجني عَلَيَّ وَأَحنو صافِحاً أَبَداً

لاشَيءَ أَحسَنُ مِن حانٍ عَلى جانِ)

ولكن هذا الفارس لا يختار إلّا خيار الرجال، ويكره اللؤماء والأنذال:

(إذا ما اصطفيت امرءاً فليكن

شريف النّجار زكي الحسب

فنذلُ الرجال كنذل النباتِ

فلا للثمار ولا للحطب )

وللشاعر مُثبت أن الطيور على أشكالها تقع:

(الحرّ يستانس على قرب الاوناس

لاشكّ مايستالف النسر والديك)

ويؤكد ذلك حميدان الشويعر بأسلوبه الذي يمتاز بدقة التصوير ويقترب من فنّ الكاريكاتير:

(كلّ خَدْنٍ بخدنه يطربِ

حتى الشّبث والعقربِ)!