أصبحت صالات استقبال المسافرين بالمطار مؤخرًا ساحة جديدة للتباري بين مشجعي كرة القدم في المملكة، فضلاً عن المدرجات، التي هي بالأساس الساحة الأصلية لكافة مظاهر التشجيع والحماس الجارف والانتماء الكروي. اثنان من تظاهرات الاستقبال شهدهما مطار الملك خالد الدولي بالرياض في استقبال اللاعبين الدوليين: الإماراتي عموري، والنيجيري أحمد موسى، من جماهير الهلال والنصر، تبعتهمها عواصف مُكملة على مواقع التواصل الاجتماعي، احتفت باللاعبيْن وبالاستقبال «الأسطوري» -حد وصف المغردين- في تدوينات، و»الخيالي» في تدوينات أخرى، و»التاريخي» في تدوينات ليست بالمحدودة، والذي تحوّل بدوره لمباراة أخرى، ليست في كرة القدم هذه المرة، وإنما تتبارى فيها الجماهير المتنافسة في التعبير عن مستويات عُليا من العشق والتشجيع لناديهم المفضل ونجومهم المحبوبين، والتي لا توجد ضمانة أن تظل حضارية وأسطورية حتى النهاية وتنتهي في كل مرة على نحو مُسالم دون إحداث أزمة.

لا يمكن أن ننكر على شبابنا متعة الاحتفال والترقب والتفاعل مع كرة القدم ونجومها، لكننا نخشى في واقع الأمر أن تتحول سلوكيات شبابنا الانفعالية إلى مرآة تقيس بها المجتمعات من حولنا شرقية كانت أو غربية مدى تحضر مجتمعنا في التعامل مع الأحداث الكبرى، المشهد مبهج ربما لمجموعات من الشباب في قمة الحماس والترقب يحتفون بلاعب جديد انضم لناديهم المفضل، لكني أود الإشارة إلى زائر المملكة التقليدي من أي بقعة من بقاع العالم، الذي ما أن تهبط طائرته حتى يتقاطع مع الشباب.. مشهد غير منظم، اضطراب، إزعاج بالهتافات والصيحات، كيف على الزائر الكريم إذن أن يشعر بالراحة والطمأنينة وحسن الاستضافة؟

من جهة أخرى يشغلني بشكل جدي إذا كان شبابنا يقوم بسلوك مشابه في أحد المحافل الأدبية أو العلمية، كأحد المؤتمرات الطبية أو الحفلات الفنية أو معارض الكتاب وندوات الأدباء؟ أم كان لهم اتخاذ وسيلة أكثر رقياً وتنظيماً للتعبير عن الحفاوة والترحاب.

شباب اليوم يحمل على كاهله مسؤولية كُبرى بحكم لحظتنا التاريخية الفارقة وما تعايشه المملكة من تغيرات وحركة نابضة على كافة الأصعدة، والتي تستوجب الحذر والحيطة والتركيز على قيمة العمل وليس المظاهر والانتصارات السطحية أو المنافسات العبثية، منذ عقود والإعلام الرياضي يشهد طفرة بالمملكة، بالتوازي مع تحوّل صناعة الإعلام الرياضي عالميًا إلى صناعة كُبرى ترتبط بحسابات خسارة وربح هي الأخرى وصفقات مليونية، الأمر الذي لم يجعل الإعلام الرياضي السعودي تحت أي بند يتخلى عن مهام وأدوار مجتمعية أصيلة، تتقدمها التوعية. رسالة الإعلام الرياضي السعودي في هذه اللحظة الفارقة من عُمر المملكة، والتي تستوجِب جهدًا تنظيميًا خارقًا من الجهات المختصة لإظهار المملكة في صورة حضارية أمام الزوار ووسائل الإعلام، في إرساء حزمة قواعِد فيما يشبه الميثاق للمشجعين الكرويين وفق أولويات السعودية في هذه المرحلة الاستثنائية من تاريخها، ويكون ذلك بسبيل التوعية، على أن تتقدم بنود هذا الميثاق الضمني أن يقتصر التشجيع على المدرجات، وأن يحتفظ بصبغته الحضارية الإيجابية، التي لا تتجاوز حدود اللياقة والروح الرياضية.