أفكر هذه الأيام في شراء جهاز جوال بعد أن تعب جوالي القديم من طول الخدمة. بدأت أقلب الأمر: أي الأحهزة أفضل؟ لم يقدني الأمر إلى شيء تقني حاسم وفروق عملية وإنما قادني بحثي إلى مسألة اجتماعية وانحياز وهوى. كلا الجهازين يلبيان كامل احتياجاتي، لا يمكن أن ترى الفروق المدعاة إذا كنت إنساناً منصفاً.

عقدت المقارنة بين أفضل أو أشهر جهازين في الأسواق اللذان يتنافسان على القمة، وبدأت بأفضل ما عند الطرفين «Flagship» فاكتشفت أني حشرت نفسي في مواصفات وتقنيات صغيرة لا أحتاجها، ما كنت أنظر للعملية وفقاً لاحتياجاتي وإنما وفقاً للمعروض، كأن تدخل سوبر ماركت وتضع في عربة التسوق كل ما يعجبك لا ما تحتاجه، يحدث مع الجميع، نشتري أشياء بسبب براعة التسويق وطريقة العرض في الفترينات، عند الكاشير ستجد نفسك اشتريت أشياء وحتى أطعمة لا حاجة لك بها أو أنها ستفرض نفسها عليك فتصبح حاجة في حياتك.

لا ينجو أحد من فخ التسوق البراق، عند عزمك أن تشتري ساعة أو شاشة أو سيارة ستذهب إلى السوق وفي ذهنك مواصفات وتعود بعد أن فرضت مواصفات ومغريات جديدة شروطها عليك.

يظن بعضنا أن حكمته تغلب على الضغوط الإعلانية، في الواقع خصمنا ليس الإعلان فقط، الخصم الحقيقي هو المجتمع. أتذكر صديقاً عاقلاً وحصيفاً ومتوازناً وكبيراً في السن، لم يكن يهتم بسفاسف الأمور. استمر في اقتناء أفضل جوال في السوق بأرقى المواصفات وهو لا يعرف من الجوال سوى الرد على المكالمات ورسائل SMS يشتري جوالاً بآلاف الريالات وهو عملياً لا يحتاج إلا إلى جوال لا تتعدى كلفته مئة وخمسين ريالاً، رغم كل صفاته الوقورة لم ينجُ من سطوة المجتمع. الإعلان لا يؤثر فيه، مهما تحدث الإعلان عن مواصفات لم يكن رحمه الله يفهمها وبالتالي لا قيمة لها في قراراته، كان يبدل جوالاته تحت تأثير المجتمع.

لاحظ هذا على الناس في سوق الغنم هذه الأيام، لا يشتري المرء خروفاً وفقاً للشروط الشرعية فقط بل يحاول أن يشتري أفخم خروف تستطيعه ميزانيته.

كلامي هذا ينطوي على نصيحة عظيمة، لا تشتري شيئاً لست في حاجة له، لو طبقناها لوفرنا على أنفسنا أموالاً طائلة ووضعناها فيما ينفعنا. لكن السؤال: ما هذا الشيء الذي ينفعنا؟ كيف نحدد ما هو (النفع)؟ أليس التأثير على المجتمع الذي نتباهى أمامه جزءاً من منافعنا؟ أتذكر مثلاً من الأمثال الشهيرة رددناه حتى اهترأ (كل ما تريد والبس ما يريد الناس)، هذا المثل البسيط الشائع يصيغ لنا فلسفة الناجحين. فكلما زاد مظهرك تألقاً كلما زادت مكانتك عند الناس وزاد احترامك. واترك عنك حِكَم البخلاء ونصائحهم.