«أنا لا أضيف أية تعديلات للصورة ولا أجمِّل أي جزء منها وأتركها على حالتها الخام».

بهذا يصف فنان التصوير من أصل بولندي بيتر ليندبيرج تجربته وفلسفته التي يتبعها في نتاجه الفني، إنه يحافظ على الروح الخام للرؤيا التي تلتقطها عدسته.

إنه المصور الذي يلتقط الحقائق أو الحياة من حوله عارية من أي تجميل، سواء في وجوه الأطفال أو وجوه عارضات الأزياء الخالية من المساحيق ومستحضرات التجميل أو في ملامح العصر الصناعي الجاف في مدينة دويسبورج الصناعية التي استقرت بها عائلته العام 1944، ويمكن القول إن بيتر ليندبيرج وبطريقته الفذة قد غيِّرَ مفهوم تصوير العارضات جالباً مفهومه المميز ألا وهو تصوير الحقيقة وراء الأقنعة، مما يعطي لصوره حساً من الأصالة التي تمنحها الخلود فهو الذي اخترع العارضات الخارقات super models، لكونه يلتقط الإنسان في عارضة الأزياء بحيث لا تعود مجرد أداة للعرض وإنما كتلة من المشاعر سواء الحزن أو التعب أو البراءة أو الفرح، إن صوره بشكل أو بآخر تعيد لعارضة الأزياء إنسانيتها والتي بلاشك بعيدة عن الكمال، حيث في البعد عن الكمال يكمن سحر الحياة والحافز للمضي أبعد وأبعد صوب الكمال، الكمال الذي لا نبلغه إلا بعبور الحياة واختباراتها العويصة نحو عالم ما بعد الحياة، بينما وطالما نحن على الأرض فإن في اللاكمال يكمن جمال، في لمحات التعب والحزن وأحياناً القباحة والجروح جمال، إنه جمال الواقع بلا تزييف، حيث في نظر بيتر ليدينبيرغ فإن الشركات المنتجة لمساحيق التجميل قد قامت عبر السنين بغسل أدمغة البشر، وشوهت الواقع وجعلته مرفوضاً ويسعى الجميع لتجاهله وتفاديه، لكأنما الاصطناع هو مهرب أو واقع بديل، لقد طمس الاصطناع الوجوه وجعل منها أقنعة للوهم نتمسك به حتى تأتي اللحظة التي نلقي فيها على الوجوه بحفنة ماء وعندها تتكشف لنا الحقيقة التي غالباً ما تصدمنا، لكأننا نطلب الصدمة، بل ونطلب من الوهم أن يعم.

مع المدن أيضاً لا يتساهل بيتر ليندليرج ولا يُجامل بل يحفر عن وجهها المكافح المخفي والمتمثل في وجوه الحديد والإسمنت والمداخن ومولدات الكهرباء الصاعقة، إنه يحاور الوجه الحقيقي والذي يعيشه إنسان المدن في كفاحه اليومي، وربما يرجع ذلك للتهجير الذي عاشه منذ طفولته حين أجبر الروس أسرته -أمه وجدته وأخته وأخاه- على الفرار من بولندا لألمانيا، حياة في العراء لمسافة 2500 كم على محفة يجرها حصان مخترقين في أهوال الحرب، حتى انتهى بهم المطاف لوجه ألمانيا الصناعي أو لوجه الحياة القاسي في مدينة دويسبورج، حيث يعترف بأنه وحتى بلغ الثامنة عشرة لم يقيض له قط الاستماع للموسيقى من أي نوع أو للاطلاع على كتاب فني أو لزيارة متحف أو معرض، بل ولقد اضطر في سن الرابعة عشرة لترك الدراسة والعمل في تلبيس الواجهات الزجاجية لمخازن كارسترادت، حتى اكتشف فن الإعلان ومن بعدها اكتشف التصوير من خلال السر الكامن في وجوه الأطفال، ذلك الصدق والقرب من النور والذي وجد فيه نفسه واكتشف رسالتها الكامنة.

إنها رحلة في الجمال المخفي في شظف الحياة والحرب والحقيقة وراء ذلك والتي تتجسد في أعماله بإبداع. 

بالنهاية تتنوع الطرق و الهدف واحد: النور.