مرت 18 عاماً، على عرض مسلسل «الزير سالم»، العمل الذي اتفق الجميع على ملاحقة أحداثه، وفاز بالاهتمام أطول وقت بعد غيابه، وانتصر على ما أنتج قبله، وما أخرج بعده.. وخلد كما لو كان العمل الأوحد.

عدت هذه الأيام أتابع بعض حلقات هذا المنتج العظيم، حيث يأسرك بحبكة الأحداث، وأداء الممثلين، وغزارة الأبطال، والسيناريو العميق. بصرف النظر عما قيل من مغالطات تاريخية، أو أي لغط صاحبه أو لاحقه، فيكفي أن تحدق به كلوحة فنية، مجردة من أي تحيز لأي لون.

الفكرة التي تلازمني، أثناء المشاهدة غالباً، تتمثل في شُح الأعمال الدرامية المماثلة، رغم وفرة ما يكتنز به التاريخ العربي والإسلامي، بكل منعطفاته ومعاركه ومخاوفه وانتصاراته. لقد عجزنا عن ولادة ما يجبّ الزير، رغم عمره الطويل، وتطور الأدوات والطرائق، ووعي ورغبات المتلقي.

المشكلة -بنظري- لا تقف عند ندرة الأعمال النوعية، وإنما تتعدى للعبث بالذائقة، وتصدير أشكال جديدة مبتذلة، تعتمد على الجمال المزيف، الشكل الخارجي المصنوع، بمنأى من الأشياء الأخرى.. وهو ما أفرز ذائقة جمعية مشوهة، تعتمد القشور كمعيار للتقييم، لمنتجات تتلاشى بعد أيام من رحيلها.

تعمل الدراما ما تعجز عنه المكائن الإعلامية والخطب السياسية، وآثارها تغرس في «اللا وعي»، ونتائجها تمتد لعقود، ورغم ذلك لم تفز -كما أعتقد- بالأولوية التي تجب. أظن أن على وزارة الثقافة إدراك ذلك مبكراً، والعمل على تصحيحه.

ومن أجمل ما أعجبني في هذا المسلسل (وهو كثير)، أبيات المهلهل، حيث يقول:

دَعوتُك يا كُليب فلم تجبني

وكَيف يُجيبني البلدُ القفارُ

أَجِبني يا كليب خلاك ذمٌّ

فَقد فُجعت بِفارِسها نِزار

سَقاك الغَيثَ إِنّك كنتَ غيثاً

ويسراً حينَ يُلتمسُ اليَسارُ

سَألت النّاس أين دَفنتُموهُ

فَقَالوا لِي بِسَفح الحيِّ دار

وَحَادت ناقتي عن ظلِّ قبر

ثَوَى فيهِ المَكَارم والفَخار

.. والسلام.