هل سبق وأُنهِي لك شخص حبيب؟

هل سبق واطلعت على أوراق الوفاة الثبوتية؟ شهادة الوفاة والأهم صك حصر الإرث الصادر من الدوائر الإنهائية بمحكمة الأحوال الشخصية التابعة لوزارة العدل؟

هل خطر لك أن هناك دوائر للإنهاء سيمر ورثتك عليها في غيبتك، وذلك لإصدار صك يثبت إنهاءك؟ «الدوائر الإنهائية» تسمية عبقرية لا تقل إبداعاً عن إبداع صامويل بيكيت بانتظار جودو Waiting for Godot، تسمية موجعة في حقيقيتها، فهي تواجهك بحقيقة أنك وببساطة كائن منتهي، إلا أنك تنجح بتصميم وببراعة وعفوية تُحْسَد عليها في أن تتناسى وفي كل لحظات وجودك الجسدي هذه الحقيقة، حقيقة نهايتك ولا دوامك..

وليس أكيداً أن تستوقفنا شهادة وفاة أو صك حصر ورثة، تبرق بتلك العبارات الصادمة في واقعيتها وعمقها، مثل:

«وأنهى قائلاً لقد توفي»..

«فقد ثبت لدي صحة ما ورد في الإنهاء»..

«اسم المنهي...»

«الصفة: أصيل..»

أنهى، إنهاء، فهو منتهٍ.. بين النون والهاء يثبت غياب حبيب أصيل، ويلحقه بما لا مجال للشك ولا للفرار غيابنا جميعاً تباعاً.

أنا أنت هو، نحن جميعاً سنكون يوماً هذا المنهي بصفة أصيل، أي الذي تم إنهاؤه.

تخونني الكلمات في التعبير عن فداحة هذه الكلمة (انتهى) التي ترن بايقاع لا رجعة فيه، مثل إيلام إيقاع عبارة جدتي التي يحلو لها تضخيم خصف نعال المشيعين بسقف القبر وتراجيعها برأس الميت.

(انتهى) تختم وجودنا الأصيل أو الوهمي في هذا النظام الشمسي على سطح كوكب الأرض، لكأنما نحن في مهمة لن تلبث أن تنتهي. مهمة حتف نوهم أنفسنا بديمومتها ونمضي نكافح للتفوق والركض وراء اللقمة وأفنائها وجمع المال والتطاول به والتنافس على المناصب، والتقدير والحب والكراهية والغضب والحسد والتحسر والخوف والفرح، وكافة تعقيدات النوازع الأرضية والمشاعر.. رحلة ليست باليسيرة يتهددنا فيها الضياع، الضياع عن المصدر ألا وهو النور، الضياع المتأتي من استغراقنا في اللعبة وجعلها الغاية وليست المعبر للدائم، حين نعتقد الدوام لحياتنا الأرضية وننسى الغاية فإن في النسيان يكمن الضلال.

وهنا يجيء صك الإنهاء ويكون درامياً حين يختم رحلة من الضياع.. تقف موجوعاً مشدوهاً أمام صكوك إنهاء أحبتك ومعارفك وتتمنى بل وتدعو أن يتم إنهاؤك في خاتمة حياة من الاتصال بالنور، نور الحقيقة، حقيقة ألا دائم إلا الدائم عز وجل، ولا حياة دائمة إلا في الوجود الآخروي بعد عبور بوابة الموت أو الإنهاء.