في أحد مراكز الشرطة جلس الجميع في انتظار الضابط حتى يفرغ من حواره مع أطراف (قضية أسرية)، ورغم وجودهم في غرفة مغلقة إلاّ أنّ كل التفاصيل كانت منقولة بسبب أصواتهم العالية، إضافة لأسلوب معالجة القضية الذي كان بالطريقة التقليديّة والتي لا تخلو من التذكير بالصفح والتسامح وبالنخوة القبلية و(الفشيلة)، دافعاً إياهم تجاه الصلح حتى لا تأخذ المسار الرسمي، وبعد أكثر من ساعة انتهى الحوار على لا شيء، ورجع أحد الأطراف إلى الحجز حتى يتم عرضه في اليوم التالي على النيابة العامة.

هنا يتبادر إلى الذهن عدد من التساؤلات؛ هل دور ضابط الشرطة (إصلاح أسري واجتماعي) أم دوره هو تطبيق النظام والقانون لتحقيق الأمن؟ ما ذنب صاحب القضية عندما يتم إحراجه والضغط عليه باتجاه الصلح والتنازل عن حقه لاعتبارات قبلية واجتماعية؟ في المقابل هناك سؤال جوهري: ما دور الشرطة في (المسؤولية الاجتماعية) كونها جهازاً أمنياً مهماً؟ أسئلة كثيرة تنهال هنا وهناك تحتاج لإجابات، ونحن لا نلوم ضابط الشرطة لأنه يقوم بدور إنساني بالدرجة الأولى ودور اجتماعي بحكم عدم وجود أقسام للخدمة الاجتماعية.

مراكز الشرطة في أشد الحاجة لقسم (الخدمة الاجتماعية) الذي يفترض به أن يؤدي دوراً اجتماعياً في مساندة الدور الأمني المتعلق بالقضايا الأسرية والاجتماعية، فمراكز الشرطة تشهد العديد من أنماط المشكلات الأسرية بين الأزواج والأرحام وبين الآباء والأبناء أو حتى بين الأقارب والجيران في قضايا جلّها اختلاف وجهات نظر ولا تكاد تصل لمستوى الجريمة، مثل دورها في تبادل الأطفال بين المطلقين، بالإضافة لمشكلات المراهقين بمختلف درجاتها، فيستهلك ذلك جهداً ووقتاً كبيراً من طاقة العمل، والذي يكون على حساب مصالح مهمة أخرى من تتبع للجرائم والمجرمين والسعي لنشر الأمن وتحقيق السلام.

قسم الخدمة الاجتماعية يتركز عمله في التخفيف من مثل هذه المشكلات المجتمعية ومباشرتها في بدايتها بالتوازي مع الإجراءات الأمنية، في وجود نظام وإجراءات تحكم وتنظم عملها عبر وجود اختصاصيين اجتماعيين مؤهلين؛ وذلك حتماً سيكون له مردود إيجابي كبير على سير العمل وسرعة إنهاء القضايا، وسيؤثر على المجتمع بتقديم خدمة إصلاحية للمشكلات الأسرية والاجتماعية، ويبقى الهدف الأكبر من وجود هذا القسم هو تحقيق أكبر قدر من السلم الاجتماعي بين أفراد المجتمع وبالذات بين الأقارب والجيران وتخفيف حدة التوترات والمشكلات وتحقيق الاستقرار.