توافد حجاج بيت الله الحرام من كل فج عميق ليقضوا مناسكهم في أيام معلومات، وأخرى معدودات فيما يتبقى من أيام التشريق، ويشهدوا منافع لهم ذكراً لله، ودعاء له، وتقرباً إليه، حيث تهفو افئدتهم إلى المشاعر المقدسة ملبين ومكبرين، وتتسابق قلوبهم إلى التقوى قولاً وفعلاً، ونظراتهم وحركاتهم وتحركاتهم كلها لله، طمعاً في مغفرته، ورضوانه، وقبوله.

هذه الأعداد الكبيرة التي تتجاوز مليوني حاج من 180 دولة وصلوا ضيوفاً للرحمن في أطهر وأقدس مكان على الأرض، ترعاهم دولة نذرت نفسها منذ تأسيسها على خدمتهم، وتسهيل نُسكهم، وحفظ أمنهم، وسكينتهم، وتوفير معيشتهم، ونقلهم، وسكنهم، وأكثر من ذلك السهر على راحتهم، وسلامتهم، من دون أن تفرّق بين حاج وآخر على أساس مذهب أو عرق أو لون؛ فالجميع سواء، أخوة على صعيد واحد، ولباس واحد، ونداء واحد.

السعودية قبلة المسلمين، وبلد الحرمين بيت الله ومسجد رسوله، ليس لها شرف تزهو به عن كل هذا العالم أفضل وأشرف من خدمة الحجاج والمعتمرين والزوار؛ فهو شرف الدهر الذي لا يوازيه شرف، فلا أحد يشاركها فيه، أو يزايد عليه، وهي أيضاً مسؤولية كبرى تحملتها بكل اقتدار حكومة وشعباً من الملك إلى أصغر مواطن، وأنفقت في سبيلها المليارات من الأموال توسعة وتطويراً، ورصدت لها الميزانيات لتوفير كافة الخدمات والإمكانات، وهيأت رجالها ونساءها للمشاركة في شرف خدمة ضيوف الرحمن، ومنحتهم الثقة ليكونوا على قدر المسؤولية؛ فليس هناك أجر أعظم من خدمة حاج جاء إلى بيت الله ليعظّم شعائره، وليس هناك فخر من أن يكون الإنسان سبباً في راحته وأمانه.

لو كانت دولة في العالم ستجمع أكثر من مليوني إنسان في مكان واحد، وزمان واحد، ويتنقلون في مساحات محدودة جداً، ومواعيد محددة بدقة، وحشود تنتقل بمئات الآلاف من مكان إلى آخر على مدى أيام متتالية؛ لأعلنت مباشرة حالة الطوارئ في طول البلاد وعرضها، ونزل الجيش وقوات الاحتياط، وعقدت الاجتماعات الأمنية والسرية، ولكن نحن في السعودية شيء آخر، نخدم الحاج على أكمل وجه بخطط مدروسة بإحكام، ونقاتل في الوقت نفسه على جبهة العز والكرامة لردع المعتدين، ونواجه فلول الإرهاب فكراً وسلوكاً، ونتصدى للمأجورين إعلاماً وأحزاباً ومسيّسين.

هذه السعودية قيادة وشعباً.. رجالاً ونساءً.. أفراداً ومؤسسات.. يلبي الجميع فيها واجب المسؤولية، ولا يتأخرون، بل يتسابقون، حيث هي دولتهم التي ترى في خدمة الحاج واجباً مقدساً يمليه عليها دينها، وأمانتها التي حافظت عليها، وستبقى على العهد تصونه وترعاه وتتحمل مسؤوليته.

نحن ندرك أن كل الخطط مهيأة لأمن وسلامة الحجاج تروية ووقوفاً ونفرة ورمياً وطوافاً، وعلى ثقة من أن السعوديين يرفعون الرأس عالياً في كل مهمة يتشرفون بها لخدمة دينهم وقيادتهم ووطنهم، ومع ذلك من المهم أن يرى العالم صورة الحج بأيدي السعوديين في أدق التفاصيل الإنسانية؛ لأنها باختصار أكثر ما يبقى ويؤثّر ويصنع الصورة النمطية الجديدة عن وطن مختلف، وواعد، وقادم للمستقبل.