يصادف اليـوم «15 أغسطس» الذكرى التاسعة لوفاة الأديب والمفكر والدبلوماسي غازي القصيبي.. كلما شاهدته أو قرأت له شيئاً أتأكد أننا أمة لا تُـقدر عظماءها إلا بعد وفاتهم.. خلال حياته حورب كثيراً، وانتقد كثيراً، وحاول الكثيرون الاشتهار على حسابه.. ولكن الحقيقة هي أن أحداً حينها لم يصل لإدراك قيمة أعماله الفكرية - بدليل إعادة اكتشافها اليـوم.. موجة الغلو والتشدد التي رافقت حياته «ونعرفها مجازاً بفترة الصحوة» تسببت في منع كثير من كتبه رغم أنه كان حينها وزيراً وسفيراً ورجل دولة بارزاً.. اليوم فقط أصبح كتابه «حياتي في الإدارة» يُـدرس في المرحلة الثانوية، وأصبحت كتبه يعاد طبعها مرات عديدة بعد أن كانت ممنوعة.. بعد أن كان هدفاً لغلاة التطرف وشيطنة المعارضين، أصبحت أحاديثه وأقواله يستشهد بها في المجالس والمنابر ومواقع التواصل الاجتماعي.. ولأنه من المفكرين الذين سبقوا زمانهم؛ أجزم أن مستوى تقديرنا لـه سيزداد بمرور الأيــام - وبما يتناسب مع إدراكنا لأهمية الأفكار والمواقف التي كان يحاول إيصالها في الماضي.

اتهم بالعلمانية رغـم أن له مبادرات ومواقف روحانية مثل أمره بتعليق آيات من القرآن داخل المستشفيات، وتوزيع المصاحف على المرضى المنومين أثناء تسلمه وزارة الصحة.. كما يحسب له تأسيس جمعية أصدقاء المرضى «التي تعنى بالفقراء والمحتاجين منهم»، وتأسيس جمعية الأطفال المعوقين «التي كان يحول إليها راتبه الوزاري حتى وفاته دون علم أحد».

وكما حـاكم المحتسبون طه حسين على كتابه «الشعر الجاهلي» حاولوا محاكمة غازي القصيبي على ديوانه الثالث «معركة بلا راية» العام 1970؛ فقد نظم المحتسبون أكثر من وفـد للمطالبة بمنع الديوان ومحاكمة الشاعر.. أحيل الديوان للمتخصصين الذين لم يجدوا فيه شيئاً مسيئاً أو يستحق المنع.. ولكنّ المعارضين لم يستسلموا وصعّدوا القضية من خلال الخطب وأشرطة الكاسيت، فشُكّلت لجنة جديدة ضمت هذه المرة وزير العدل والمعارف والحج لدراسة الديوان بدقة.. ولكن اللجنة انتهت «مرة أخرى» إلى سلامة الديوان وعدم تضمنه ما يمس الدين والأخلاق.

إن كتابات ومواقف القصيبي «التي حوربت زمن الغفوة» عادت اليوم لتسيد الموقف وتأكيد مصداقيتها في زمن الانعتاق.. لم يعد أحد يتذكر أسماء من وقفوا في وجهه؛ لأن أفكارهم ومواقفهم كانت واهـية ومشخصنة ومستغلة لمشاعر الناس.. تلاشت في الهواء وذهبت كما يذهب الـزبد جـفاء، في حين بقيت أفكار القصيبي، لأن المواقف الصادقة لا تموت، وما ينفع الناس يمكث في الأرض..