إن مما يؤسف له أن نرى دولة مسلمة يجترئ قادتها على منع مواطنيهم من الحج إلى بيت الله الحرام، في مسلك خطير يُخشى أن يكون فيه محادّة لله ولرسوله ولشعائر دينه، وتشبه بالمشركين الذين وصفهم الله أنهم يصدّون عن المسجد الحرام قاصديه..

لا يحصي إلا الله أعداد المسلمين الذين توافدوا ويتوافدون على بيت الله الحرام بمكة ومسجد رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم في المدينة منذ تأسيس هذه الدولة المباركة (المملكة) ليكونوا شهوداً على مدى ما تحقق -بفضل الله- في الحرمين الشريفين من إنجازات لم يشهد التاريخ لها مثيلاً، تسابق إلى القيام عليها ملوك هذه الدولة السعودية منذ عهد المؤسس الملك عبدالعزيز -رحمه الله-، وجعلوا ذلك على قائمة أولوياتهم فلم يكن ما يُصرف على الحرمين الشريفين من أموال وثروات ضخمة تخضع للمبادئ العادية التي تتخذها الدولة لحسابات الميزانية، بل كان ما يخصص للحرمين الشريفين استثناءً في ميزانية الدولة، لأنهم كانوا يؤمنون إيماناً جازماً أن ذلك من أعظم التجارة مع الله عز وجل، وأن من أفضل وجوه استثمار وشكر النعمة والرخاء التي تعيشها المملكة أن يكون لذلك أعظم الأثر في عمارة الحرمين، واستغلال هذه الفرصة للتوسعة على المسلمين فيهما، ليتسنى لأكبر قدر من المسلمين تحقيق أمنيتهم بالحج والعمرة والزيارة.

ولم تقف جهود ملوك هذه البلاد على عمارة الحرمين عمارة حسيّة فقط -وكفى بذلك فخراً-؛ بل سبق ذلك عمارتهما المعنوية بتحكيم الشريعة، وحماية جناب التوحيد والعقيدة، التي لم يشرع الله الحج لبيته إلا لإقامتها، فبادر الملك عبدالعزيز -رحمه الله- إلى القضاء على كل مظاهر البدع والخرافات والشركيات التي كانت تمارس في الحرمين وحواليهما، وأحيا السنة الصحيحة بكثير من الإصلاحات الشرعية المسددة التي كان من أبرزها جمع المصلين في الحرم المكي على إمام واحد بعد أن كان في المسجد الحرام محاريب متعددة بتعدد المذاهب الفقهية يصلي كل أهل مذهب خلف إمامهم، مما لم يشرعه الله ولا رسوله صلى الله عليه وسلم.

ثم امتدت عناية ملوك هذه البلاد إلى مدى أبعد من العمارة الحسية والمعنوية للحرمين الشريفين، إلى العناية الفائقة والخدمة الجليلة لقاصديهما من الحجاج والمعتمرين والزوار على مدى عقود من الزمن، بتذليل العقبات أمامهم، واتخاذ كل ما من شأنه تيسير مناسك حجهم وعمرتهم وزيارتهم، وتوفير أعظم وأرقى الخدمات الصحية والأمنية والمعيشية وغيرها لهم، مما أذهل المتابعين وفاق كل التصورات، وضرب رجالات الدولة من أولهم وعلى رأسهم خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي عهده -أيدهم الله- إلى أصغر موظف أو جندي في الدولة من العاملين في الحج والحرمين أروع الأمثلة في كرم الضيافة ولين الجانب لوفود الحجاج والمعتمرين والزوار، والصبر على ما يبدر من بعضهم من مخالفات بعضها قد لا يحتمل، محتسبين أجر ذلك عند الله، ومؤمنين أن هؤلاء هم ضيوف بيت الله وحقهم من أعظم الحقوق.

وما تحدث متحدثٌ من ملوك هذه البلاد يوماً بالمنّ والأذى لقاء ما تقدمه الدولة من جهود يراها الأعمى ويسمعها الأصمّ؛ بل كانوا دوماً يرددون بامتنان فخرهم أن الله سخرهم لخدمة الحرمين الشريفين وقاصديهما، وأنهم لن يدّخروا في ذلك جهداً ما ملكوا إلى ذلك سبيلاً، وفي كل عام يحج آلاف الحجاج ويعتمر الآف المعتمرين مجاناً على نفقة الملك وولي عهده وبعض قطاعات الدولة الرسمية من ميزانيتها، لأن دولتنا العظيمة الكريمة لا تتعامل مع الحج والعمرة بحسابات التجارة والاستثمار الدنيوي؛ بل بالتجارة مع الله عز وجل.

ورغم ما أجرمه المجرمون من حجاج إيران على عدة سنوات من عبث بأمن الحج وإلحاد في الحرم، ورغم ما حصل بين المملكة وبعض الدول من خلافات سياسية، إلا أنها لم تتخذ ذلك ذريعة في يوم من الأيام إلى منع حجاج ذلك البلد أو التضييق عليهم، بل أبقت بوابة الحرمين الشريفين مفتوحة لكل قاصد يريد الحج والعمرة، لأنها دولة يؤكد قادتها أن إشرافهم وخدمتهم للحرمين الشريفين إنما هو اختصاص وفضلٌ من الله عز وجل لخدمة الحرمين ورعاية قاصديهما قدر المستطاع، ووالله إني أكاد أجزم أن ذلك قد يكون أحد أسباب ما أنعم الله به على هذه البلاد من خيرات وأمن ورخاء.

وإن مما يؤسف له أسفاً لا مدى له أن نرى دولة دولة مسلمة يجترئ قادتها على منع مواطنيهم من الحج إلى بيت الله الحرام، في مسلك خطير يُخشى أن يكون فيه محادّة لله ولرسوله ولشعائر دينه، وتشبه بالمشركين الذين وصفهم الله أنهم يصدّون عن المسجد الحرام قاصديه، وذلك فيما تقوم به قيادة قطر هذه الأيام من التضييق والمنع لمواطنيها عن حج البيت الحرام، ومحاولة إلصاق هذه الفرية بقيادة المملكة التي لا يخفى على المسلمين أبداً ما أشرت إليه من التزامها التام بفتح أبواب الحرمين الشريفين لكل قاصد لهما من المسلمين حتى من الدول التي تورطت وفود حجها بجرائم بشعة في الحرمين وانتهاك حرمتهما بالتفجير والقتل والترويع للحجاج؛ فكيف بإخوتنا وأشقائنا الحجاج القطريين الذين كلما فتحت المملكة لهم باباً للوصول إلى الحج أوصدته قيادتهم!!

ومهما حاول المفترون إلصاق التهم بقيادة المملكة فإن الله فاضح مكائدهم، وإن الشمس لا تحجب بغربال، وإن دولة جعلت خدمة الحرمين الشريفين وعمارتهما وخدمة قاصديهما أساساً متيناً لقيامها، ومبدأ أصيلاً لحكامها، ليست كقيادة دولة قامت على المكر والسعي لإيذاء الإخوة والجيران، وبث الفتن والفرقة في صفوف المسلمين، والله عز وجل بعدله يقول: «أفنجعل المسلمين كالمجرمين.. ما لكم كيف تحكمون».