إذا خلا الإنسان من الأشواق الروحيّة فإن الجمادات أفضل منه والوحوش، الروح في أعماق الإنسان تشتاق لرضا خالقها العظيم، وتُشبع أشواقها بالصلاة والدعاء والاستقامة والأعمال الصالحات والندم على الأخطاء والذنوب التي لا يخلو منها البشر.. وفي الحج تتجلّى الأشواق الروحية بشكل تام، فردي وجماعي في تلبيات تروع القلوب لرب السماوات في مشهد مهيب يُمَثّل التجُّرد التام والمساواة، مشهد شاعر كما هو، وقد عبّر عنه وعن أشواق الروح كثير من الشعراء ومنهم محمد إقبال (1938-1877) الشاعر الهندي المشهور، جمع عدة مواهب وعلوم، كالفلسفة والقانون والتربية والاقتصاد، حصل على درجة الدكتوراه في الفلسفة من جامعة ميونخ بألمانيا، وأتقن عدة لغات: العربية والإنجليزية والألمانية والفارسية إلى جانب لغته الأردية، لكنه أحسّ أنه مخلوق للأدب والشعر، طاف الشرق والغرب، وأحب بلاد العرب وخاصة «السعودية» لأنها مهبط القرآن ومهد الإسلام وقبلة المسلمين، كان متديناً يحض المسلمين في شعره على النهضة والتقدم، ويُذكِّرهم بمجدهم العظيم، وله ديوان «صلصة الجرس». ترجم منه «الصاوي شعلان» تلك القصيدة الخالدة التي شدت بها أم كلثوم «حديث الروح»:

(حديثُ الروحْ للأرواحِ يسْرِي  

وتدركهُ القلوبُ بِلا عناءِ

هَتفْتُ بهِ فطارَ بِلا جناحٍ  

وشقَّ انينهُ صدرَ الفضاءِ

ومعدِنهُ تُرابيٌ ولكنْ  

جرتْ في لفْظِهِ لغةُ السماءِ

لقدْ فاضتْ دموعُ العشقِ منِّي  

حديثاً كانَ عُلويَ النداءِ

فحلّقَ في رُبى الأفلاكِ حتى  

اهاجَ العالمَ الأعلىَ بُكائي

وجاوبتِ المجرّةُ علَّ طيفاً  

سَرى بينَ الكواكبِ في خفاءِ

وقال البدرُ هذا قلبُ شاكٍ  

يواصلُ شدواهُ عندَ المساءِ

ولمْ يعرفْ سِوىَ رضوانَ صوتي  

وما أحْرَاهُ عندي بالوفاءِ

شكوايَ أمْ نجْوايَ في هذا الدُّجى

ونجومُ ليليِ حُسّدي أمْ عُوّدي

امْسَيتُ في الماضِي أعيشُ كأنَّما

قَطَعَ الزمانُ طريقَ أمْسِي عنْ غدي

والطيرُ صَادحةُ عَلَىَ افْنَانِها

تُبْكِي الرُبى بأنِينِها المتجددِ

قدْ طالَ تَسْهيِدِي وَطَالَ نشيدُها

وَمَدَامِعي كالطَّلِ في الغُصنِ النَّدِيِ

فإِلى مَتَىَ صَمْتي كَأنِّي زهْرةٌ

خَرْسآُ لمْ ترزقْ برَاعةَ مُنْشِدِ

قِيثَارتي مُلئتْ بِأنَّاتِ الجِوَىَ

لَاَ بُدَّ لِلْمَكبُوتِ مِنْ فَيَضَانِ

صَعَدَتْ إِلَىَ شَفَتِي خَوَاطِرُ مُهْجَتِيِ

لِيُبِيْنَ عَنْهَا منْطِقِي ولِساني

أَنَا مَاَ تَعَدَّيْتُ القَنَاعَةَ والرِضَا

لَكِنَّمَا هِيَ قِصَّةُ الأشْجَانِ

يَشْكُوْ لَكَ اللَّهمُّ قَلْبٌ لَمْ يَعِشْ

إلَّاَ لِحَمْدِ عُلاكَ فِيِ الأكْوَانِ

إذَا الأيِمَانُ ضَاعَ فَلَاَ أَماَنُ؛

وَلَاَ دُنْيَا لِمَنْ لَمْ يُحيِّ دِيْنَا

وَمَنْ رَضِيَ الحَيَاةَ بِغِيْرِ دِيْنٍ  

فَقَدْ جَعَلَ الفَنَاءَ لَهَا قَرِيْنَا

وَفِيِ التَّوْحِيِدِ للْهِمَمِ اتِّحَادٌ  

وَلَنْ تَبْنَوا العُلَىَ مُتَفَرِّقِيْنَا

ألَمْ يُبْعَثْ لِأُمَتِكُمْ نَبِيٌ  

يُوَحِّدُكُمْ عَلَىَ نَهْجِ الوِئَامِ

وَمُصْحَفِكُمْ وَقِبْلَتِكُمْ جَمِيْعَاً  

مَنَارٌ لِلْأُخُوَةِ والسَّلَامِ

وفوقَ الكلِّ رَحْمَنٌ رَحِيْمٌ

إلهٌ واحِدٌ .. رَبُّ الأنَامِ).