ما الذي تغير تدريجياً في صيف الطلاب خلال العقود الأربعة الماضية؟ أشياء كثيرة تغيرت في حياتنا وثقافتنا، ولعل الأبرز والأسوأ فيها هو التحول من ثقافة المشاركة والإنتاج إلى ثقافة التباهي والاستهلاك. ففي هذا الجانب عدنا للمربع رقم صفر في استحقار من يعمل في وظائف محددة وخاصة الصيفية للطلاب، ومنها العمل الحر في الأسواق. وفي جانب سلبي آخر نجد أن القطاعين العام والخاص تدريجياً قاما بتقليص فرص التدريب الصيفي أو تحويلها بمحسوبية مقيتة للأقرباء الذين ليسوا بحاجة لها.

ولكن الزمن الذي نعيشه هو زمن رقمي خطير؛ فإما استيعاب الشباب وساعات فراغهم بشكل إيجابي، بمعنى تفريغ طاقاتهم فيما يصب في مصلحتهم ومصلحة الوطن والأسرة، أو أن يصبحوا لقمة سائغة في غابة رقمية يسهل افتراسها. وعندها نبدأ باستحضار نماذج السوء التي بدأت بغزو بيوتنا ومجتمعنا، وهذا الأمر ليس في مجتمعنا فقط، وإنما تشاركنا فيه بقية المجتمع الإنساني الذي هو الآخر يبحث عن حلول. نعم كانت لدينا حلول وضيعناها تدريجياً، وضيعنا معها بعض شبابنا. الصيف ضيعت اللبن كما قالت العرب، ولكن صيفنا ضيع الشباب. آن الأوان لإجبار القطاع الخاص على تفعيل شرط التوظيف والتدريب الصيفي، والبلديات على تأسيس الأكشاك وفرص البيع المؤقت بدلاً من شروط تعجيزية تتيح المجال للأجنبي الذي يستغلها دون احترام للأنظمة. والأهم تفعيل ميزانية التدريب والتوظيف الصيفي الحكومي كجزء من عقود التشغيل والمشروعات المتضمنة نقل الخبرة وتنتهي إلى لا شيء انتقل.

من استمع لصرخة الدكتور هاني الغامدي في برنامج «حلول ممكنة» على إذاعة نداء الإسلام سيعرف حجم المشكلة وطبيعتها. وأطرح هذا الموضوع بحكم قربي لعقود من الزمن من برامج التدريب التعاوني في الجامعات، وبحكم إشرافي على التدريب التعاوني في مجال الإعلام بجامعة الملك سعود. فهذه التجربة جعلتني بالقرب من الكثير من أبناء وبنات الوطن المبدعين، ولكن الساحة لا تتيح لهم فرصة الاستقطاب والالتزام الوظيفي، والأسوأ أن من بعض المشرفين في الموارد البشرية يخلقون بيئة طاردة حتى للمشرفين فما بالكم بالطلاب.

السؤال الآن: هل حجب الفرص الوظيفية والتدريب عن طلابنا ودفعهم للفراغ والمجهول الرقمي بات جريمة وظيفية يجب أن تعاقب عليها الجهات التي تحجبها؟ أعتقد أننا وصلنا إلى مشارف تلك المرحلة، فواقعنا يدعو لسرعة حماية شبابنا وتهيئة الفرص الواعدة لهم. ولعلي أحلم مثل غيري بتطبيق شبابي يوثق الفرص رقمياً، ويعري تلك الجهات أمام ولي الأمر، فقيادتنا - ولله الحمد - تدعم الشباب وتراهن على تميزهم. فأرجو ألا تضيع فرص الشباب في الصيف القادم، ونستمر نردد أن الصيف قد ضيعت الشباب مع اللبن.