من سكني المنداح في أحشاء حي شعبي قديم، أكتب لمعاليكم فيما عقارب الساعة تقترب من الثالثة فجراً، وصوت أم كلثوم يسافر داخلي ليلامس جوانبي الداكنة والبعيدة، معالي الوزير أكتب لكم متجاوزاً قدري كمواطن بسيط يتمحور لهاثه اليومي بين الخباز والخضّار، وتتلخص علاقاته بين الفراش والحارس، ولهذا فإن مخاطبتي لكم تتجاوز المألوف الذي درجت عليه، لكن الكتابة لمعاليكم لها وقع جميل في هذا الزمن الجميل، زمن الرؤية الذي أولى بشائره محاربة الفساد والبيروقراطية والمحسوبية والانتهازية، بلا تمييز وبلا هوادة، وبروح قوية لا تعرف اليأس أو التراجع، لأنها صادرة من رجل لا تلومه في الحق لومة لائم.

أيها الوزير الشاب، قلت في بداية عهدك: إن أزمة السكن هي أزمة فكر. وارتفعت في حينها أصوات مؤيدة وأخرى معارضة، علماً أن قولك إن مشكلة الإسكان هي أزمة فكر كانت قريبة من الجرح، فكأنك تشير إلى ثقافة البيت السعودي المرتهن بأدبيات نمطية كالمجلس الذي أحياناً تكون مساحته نصف مساحة البيت، وكذلك ثقافة المقلط الذي لا تقل مساحته عن مساحة المجلس، بالإضافة إلى الملحق الذي يبتلع نصف مساحة الأرض، بينما أغلب الشخصيات المشهورة في العالم تسكن في بيوت لا تتجاوز مساحتها المئتي متر.

أيها الوزير الشاب نحن نعلم جيداً أنك تعمل ليل نهار في سبيل حل مشكلة السكن، لأنك وزير إسكان، ومن أولوياتك حل هذه المشكلة المتفاقمة، وليس لدينا أدنى شك بأنك تعمل على حلها جذرياً، لتترجم رغبة ولاة الأمر بأن يمتلك كل مواطن بيتاً يؤويه وأطفاله، يجنبه قسوة الإيجار، ونحن يا معالي الوزير كمستهلكين نرى أن بداية مشكلة الإسكان هي بسبب الاحتكار الظالم، الذي ضرب العقار، وخلّف هذه الأزمة، بالإضافة إلى معضلات عديدة، منها عدم وجود مقاول محلي قادر على استيعاب حركة العمران، نظراً لافتقاره المصداقية والبنية التحتية، وهذا ما تسبب في تفاقم مشكلة العقار.

من هنا فإننا نعول كثيراً على الرؤية، ونتساءل: لماذا لا تقوم الأمانة بإيجاد أراضٍ بضواحي المدن الكبيرة، وتستقدم شركات صينية وكورية لإنشاء بيوت صديقة للبيئة، وبأسعار زهيدة للغاية، وبأوقات زمنية قياسية، قد لا تتجاوز مدة بناء الوحدة السكنية العشرة أيام.. معالي الوزير إن المواطن يعول عليكم كثيراً، باعتباركم أحد فرسان الرؤية لحل مشكلة الإسكان المتفاقمة.