في حفلة أقامتها السفارة البلجيكية في لندن العام 1983 على شرف رئيسة الوزراء البريطانية آنذاك السيدة مارغريت تاتشر وعدد من الشخصيات الأوروبية بينهم الرئيس الفرنسي الراحل فاليري جيسكار دستان صادف أن كان مرور السيدة تاتشر أثناء دخولها القاعة بمحاذاتي فاقتربت مني أكثر وهمست في أذني دون أن تصافحني أو حتى أن تلقي تحية بل قالت: يا عبدالله أنتم أكثر الشعوب إزعاجا لمخططاتنا في الشرق الأوسط، لم تسمح لي بمناقشتها او الاستفسار منها عما تعني ولكني فهمت الرسالة كما أرادت.

في ندوة عقدتها جامعة وسكانسون العام 1996 بمناسبة مرور ثلاثين عاماً على نهاية الحرب الفيتنامية قالت دوروثي ردغريف وهي أستاذة في الجامعة ومستشارة سابقة في البيت الأبيض لشؤون الشرق الأقصى في محاضرتها تلك الليلة أن حرب فيتنام ليست سوى تمثيلية افتعلها الإسرائيليون لتمرير وتبرير نتائج حربهم ضد الدول العربية بما عرف حينها بحرب الأيام الستة، بعد نهاية المحاضرة انتحيت بها وسألتها كيف يكون للإسرائيليين دور في حرب فيتنام فقالت وهي تضحك ضحكتها القصيرة التهكمية: يا عبدالله كأنك لا تعرف تأثير جيمس ماكنمارا أو نفوذ اللوبي الصهيوني في واشنطن، مشكلتكم أيها العرب أنكم لا تقرؤون.

أغرب طريقة وأفضل طريقة لكسب إعجاب المنتمين للإسلام السياسي أن تحشد في مقالك أو محاضرتك أكبر قدر من الأسماء الغربية سواء كتاباً أو سياسيين. لست مسؤولاً عن صحة ما تقول، لن تجد من يسألك أو يحقق في كلامك، حتى وإن انتهى كلامك بفضيحة لن تفقد المعجبين والمتابعين.

في المشهدين السابقين اسم حقيقي السيدة تاتشر، واسم وهمي دوروثي ردغريف. كل من سيقرأ لك أو يحضر محاضرتك سينصت لك بعد أن يتخلى عن ملكة الفضول والسؤال، ما يهمه في الأسماء أن تكون غربية، صحيحة كانت أو مختلقة لا يهم، يستمع إليك لتعزيز ما آمن به أو تمناه في أحلام يقظته.

مهما بالغت في تفخيم الذات وضخمت معارفك وثقافتك الغربية لن تجد اعتراضاً أو درجة من المساءلة لأنك تتحدث لهؤلاء بما يسرهم، لاحظ كمية التأييد الذي يلقاه أمثال زغلول النجار أو الزنداني عندما يتحدثان عن النظريات العلمية أو الكويتي عبدالله النفيسي عندما يستغرق في تحليل الأحداث السياسية بطريقته المسرحية المعتادة، ستجد أن كلام هؤلاء وغيرهم مسلح بأكبر كمية من الأسماء الغربية والنظريات الغربية والتقارير الغربية وأكثر من هذا الاستشهاد بالتقارير وأقوال الصحف الإسرائيلية.

بتوطئة كهذه لك أن تنطلق في تحليل أي قضية وأنت مطمئن أن القارئ أو المستمع لمحاضرتك لن يجرؤ على الاعتراض إما جهلاً أو رغبة دفينة ترجو الله أن يكون هذا الكلام صحيحاً.