لا شك في أن الإعلام بمختلف أشكاله وألوانه ومستوياته، يُعدّ أحد أهم الفاعلين/اللاعبين الأساسيين في حياتنا بكل تفاصيلها الصغيرة والكبيرة، وقد تدرج وتمحور وتشكّل عبر القرون، فتحوّل من مجرد ماكنة لنشر ونقل وتوزيع الأخبار والأحداث والمواقف، إلى أداة مؤثرة في تبادل الأفكار والثقافات والحضارات بين الشعوب والأمم، ولم يكتف بكل ذلك، إذ مارس مهمة غاية في الخطورة وهي صياغة ورسم وتوجيه الرأي العام، ولكنه الآن في ذروة أدواره ووظائفه وهي قيادة المجتمعات والشعوب والأمم، ولعلّ ما تقوم به وسائل ووسائط التقنية الحديثة ومصادر وتطبيقات الإعلام الجديد ومواقع وشبكات التواصل الاجتماعي، أكبر دليل على هيمنة الإعلام بأشكاله الحديثة على عموم المشهد الكوني.

الإعلام الآن، بكل صحفه الورقية والرقمية ومنصاته وتطبيقاته الحديثة وفضائياته وإذاعاته، تحوّل إلى منظومة صناعية كبرى لها أدواتها وأبجدياتها وآلياتها ومقوماتها، تدر المليارات وتوفر ملايين الفرص والوظائف.

تلك المقدمة الضرورية عن أهمية وخطورة وتأثير الإعلام، تقودنا إلى قضية حسّاسة ومهمة، وهي توظيف الإعلام لممارسة أدواره الكبرى لتنمية الوطن، أو بصياغة أخرى على شكل سؤال: لماذا لم ينجح الإعلام في تنمية الوطن؟.

نعم، الإيمان بقوة وسيطرة وتأثير الإعلام، حالة/قناعة متقدمة تُقاس بها المجتمعات والشعوب والأمم، ولكن الأمر يحتاج إلى ما هو أبعد من ذلك، وهو توفير الظروف والمصادر والوسائل التي تُساعد على نجاح الإعلام في مهمته الصعبة بشكل مؤثر وفاعل. ولعلّ من أهم الأسباب والأدوات التي تُسهم في نجاح الإعلام ليكون رافعة حقيقية لبناء وتنمية وازدهار الوطن، هي هذه الحالات/الأدوات الثلاث:

الحالة الأولى، وهي التخصص، فلا يمكن لأي وسيلة إعلامية، أن تُحقق نجاحات حقيقية ومستمرة، دون أن يتوفر لها مجموعة من المتخصصين المؤهلين في مختلف القطاعات والمجالات. التخصص هو بوابة النجاح الكبرى، بينما ممارسة الإعلام كهواية وبعشوائية لن تصنع تنمية للوطن.

الحالة الثانية، وهي التفرغ في ممارسة هذه المهنة المعقدة التي تحتاج إلى الكثير من العمل والجهد والوقت والمراجعة والتدقيق والصبر والإنجاز والإبداع، وهي عوامل/أدوات لا يمكن الحصول عليها إلا بوجود طبقة من الإعلاميين المتفرغين لهذا الحقل المزروع بالألغام والضغوط والمخاطر.

الحالة الثالثة، وهي الاعتماد على المعلومات والحقائق والأرقام، لا إلى الإشاعات والتخمينات والسماعيات. الإعلام الحقيقي الذي يُسهم في تنمية الوطن، هو الصدى والواقع للحقائق والمعلومات التي تنتجها البيوت الإعلامية الرصينة ومراكز المعلومات المرموقة.

 وهناك بلا شك، العديد من الحالات التي تُسهم في نجاح الإعلام ليُمارس أدواره الثقافية والفكرية والتنويرية والتنموية، ولكنني التقطت هذه الحالات الثلاث التي لا تكاد تحضر في مشهدنا الإعلامي.