كل أمة في هذا الكون تملك إيماناتها وقيمها التي تخصها وتفخر بها، لكن فرض هذه القيم على الآخرين يحولها من قيم نبيلة إلى قيم استعمارية وذريعة للتدخل في شؤون الآخرين.

بدأ الاستعمار الأوروبي في أكثر مناطق العالم بنشر القيم المسيحية والتأكيد عليها، تبين في النهاية أن نشر الديانة المسيحية كان البوابة التي انتقل فيها الاستعمار من التبشير بالهداية إلى الاستغلال.

في عصرنا هذا لم تعد أساليب التبشير مقبولة، لا أحد يستطيع أن يفرض على الآخرين ما يراه من صح أو خطأ، الإعلان عن قيمك والتعريف بها شيء وفرضها بالأمر التنفيذي شيء آخر، انتهى عصر كانت فيها أمم تنظر لأمم أخرى بفوقية ثقافية، انتقل الإنسان من إملاء ما يراه صحيحاً بفوقية واستعلاء ثقافي إلى البحث الجاد في القيم الإنسانية المشتركة واحترام الاستقلال الثقافي قبل أي شيء آخر.

تسهم كل الشعوب وكل الأمم بقيمها النبيلة في تعزيز حرية الإنسان وكرامته، ولا يتم ذلك إلا بما اتفق عليه الجميع، بحث الإنسان في تجاربه وتاريخه، استبعد منها الرديء واستدنى منها النبيل، هذا ما نسميه اليوم حقوق الإنسان، هي خلاصة ما وصل إليه البشر، لم تأتِ هذه الحقوق من مصدر واحد أو ثقافة واحدة، هي خلاصة تجارب البشر بعد صراعات مريرة مع الاستعمار والاستكبار الذي عانت منه البشرية قروناً، لا تملك دولة محددة حق تفسيرها أو فرضها أو استخدامها. تغريدات المسؤولين الكنديين (وزيرة الخارجية والسفير الكندي في المملكة) والأسلوب الذي طرحت به تعود لحقبة انتهت مع نهاية الاستعمار الأوروبي.

في مؤتمره الصحفي الذي عقده يوم أمس الأول لم يشر رئيس الوزراء الكندي إلى التفويض الذي يسمح لمسؤوليه بإملاء القيم الكندية على الآخرين، بل أكد بطريقة غير مباشرة على صحة تغريداتهما، ينطلق رئيس الوزراء الكندي من أساس أن التفسير الكندي لقيم حقوق الإنسان هو المرجع لكل التفسيرات العالمية، يتبين ذلك من أسلوبه في الأجوبة وتركيزه على قيم بلاده دون الإشارة إلى وجهة نظر الآخر، لم يبذل أي جهد ليناقش مبررات رد فعل المملكة ووجهة نظرها كدولة مستقلة يحق لها ما يحق لبلاده من قبول أو رفض تفسير الآخرين للفكر الإنساني المشترك، بدا في مؤتمره كداعية ديني من العصور الوسطى يملك الحقيقة وعلى الآخرين الانصياع لتوجيهات موظفيه، يتحدث عن القيم الكندية وكأنها أم القيم الإنسانية الأمر الذي يرشح المسؤولين الكنديين ليكونوا الرسل الجدد.