"كيف يمكن تعريف هذا الجانب الغربي من مدينة شيكاغو؟ هل هو ذلك الفقر المدقع أم النسبة المرتفعة للإجرام والاستغلال للصغار وتسليع النساء ونسبة سكانه من ذوي السوابق وخريجي السجون؟ كل ذلك ما هو إلا الطبقة السطحية للغز الذي يمثله ذلك الجانب الغربي لمدينة الرياح العاتية شيكاغو. وإنني لمسحور بذلك المكان الجامع للأمكنة حسب تصوري، فغالباً وحين أجد نفسي في زيارة أحد المعارف في دائرة الفقر والبؤس والخطر تلك وأجدني مضطراً بتلذذ غامض إلى عبور التحديات التي قد تباغتك ولا تخطر على بال، أو حين استوقف ببساطة شخصاً لم يسبق أن التقيته، عندها يحدث شيء ما يتجاوز القلق بشأن الفقر والخطر هناك عموماً، هذا الشيء الذي لا يمكن تسميته هو ما أسعى لالتقاطه في الصور التي أوثق بها لذلك المكان الفريد في تركيبته البشرية. إنه توثيق لخفايا لاتنكشف إلا لعين تعايش بصبر واحترام للمعاناة البشرية، عين تنبش بصبر وبحب، وفي النهاية فما ينكشف يستحق كل المجازفة والعناء".

بتلك العبارات الصادقة الحميمة يعبر المصور الأميركي بول داماتو Paul D’Amato من مواليد 1956 عن تجربته الفنية المتمحورة حول استكشاف ليس فقط هذا الجانب من مدينة شيكاغو وإنما أيضاً العالم، حيث ينظر لذاته بصفته مواطناً لكوكب الأرض عموماً وينتمي إلى الكوكب عموماً.

هذا الفنان الذي بدأ رحلته مع الإبداع برفقة كاميرته راحلاً قاطعاً القارة الأميركية شرقاً وغرباً، متسللاً لعربات قطارات الشحن أو مستجدياً السيارات المسافرة لا يهم لأي اتجاه، يقف على الطرق السريعة ويستقل أي عربة تتوقف لنقله ولأي اتجاه، وأينما حلَّ صوب عدسته ملتقطاً صوراً للحياة في عاديتها السحرية، في إعجازها اليومي الذي لا يعيه كثيرون.

ويدين الفنان بول داماتو برؤيته خاصة للثقافة والمبادئ التي غرستها فيه أسرته من الطبقة المتوسطة واحترامه مبدأ تفوق الإنسان، يقول:

"أومن بأن كل إنسان يحمل قصة، ولقد علمتني الحياة ألا أتورع عن مبادرة أي غريب ألتقيه بالحديث، تعلمت أن أقرأ الناس بسرعة، أنبش عن القصة المخفية وألتقطها لكاميرتي. الإلهام يأتي حين تسمح لنفسك بالانبهار، أن تقف أمام الشخص أو الشيء وتنسى ذاتك، تنجرف لسر ذلك الوجود المواجه لك".

وحين يوجه داماتو كاميرته إلى البؤس والفقر، فإن العدسة لا تتوقف بالظاهر وإنما تنفذ لشيء من الشموخ والجمال، يقول "حين يقف أولئك الأناس العاديون والمعدمون لعدستي، حينها يستحضر الواحد منهم الأفضل فيه، يستحضر إنسانيته المتفوقة، ويكون الواحد منهم وللحظات مركزاً للكون، يكون تجسيدا لما يتجاوز العادية، حيث لا يوجد إنسان عادي، الإنسان تركيبة معجزة لا نلم بها إن شغلتنا القشور".

يتجول الفنان ملقياً بنفسه في مجتمعات وتجمعات غريبة لم يألفها من قبل، محفزاً بغرابتها فضوله وعشقه نابشاً عن تفوق الإنسان، عن إعجاز ما كان ليتجسد ما لم تلاحقه عدسة الإبداع المكبرة، إيمانا يرد للبشرية شيئا من اعتبارها في أعمال مثل أعمال بول داماتو تستضيفها المتاحف ويحتشد لرؤيتها جمهور غالباً ما يكون غافلاً عن إعجازه الباطن.