عندما أستجمع الذاكرة لأتذكر تلك اللحظات الرهيبة بل أكثر الأزمات تعقيدًا في تاريخنا أدرك هول الكارثة.. أن تصير ضحية لا بواكي لها أمر حزين، وعندما يقوم على هذا الوضع أناس منتسبون إليك محسوبون على أمتك فهذه هي الكارثة بعينها..

كانت علاقتي بالدكتور مساعد الهارون المستشار الثقافي السابق بسفارة دولة الكويت بواشنطن علاقة ثقافية، كان الرجل ودودًا ومحنكًا ومثقفًا تعرفت عليه أثناء فترة رئاستي لتحرير مجلة المبتعث في واشنطن.

كانت مجلة المبتعث في أواخر الثمانينات الميلادية تستهدي بأمل شجاع متوجه نحو المستقبل محاولة أن تستقر على نسقها النهائي كمجلة متطورة، ولذلك حاولنا استكتاب وإشراك بعض الشخصيات العلمية والثقافية والفكرية والأكاديمية في صنع التجربة الصحفية، وكان د. مساعد الهارون إحدى تلك الشخصيات.

كان وجودنا في واشنطن يفتح لنا منصات تعبير أحدثت تفاعلًا إعلاميًا خلّاقًا نقل المجلة إلى فضاء ثقافي وإعلامي أوسع. فقد كانت «المبتعث» المطبوعة السعودية الوحيدة التي تحرر وتصدر في أميركا، فالصحافة مهمة وطنية في أول المقامات، تحددها قبل الخبرة المهنية وقبل الرغبة في الذيوع وقبل الموضة الصحفية السائدة عوامل وظروف وطنية تفرض التوجه المناسب فرضًا متى ما تحلى القائمون على العمل الصحفي بالوعي والالتزام وكنا - في ذلك الوقت - نطمح إلى اليوم الذي تصير فيه «المبتعث» الصوت الفرد الذي يصيخ إليه كل العرب الموجودين في أميركا إعلاميًا، وهذا الطموح الذي يبدو كبيرًا لم يكن أبدًا طموحًا مستحيلًا.

مضت فترة الثمانينات ومضت فترة المجلة بعد أن أخذت مكانها اللائق في درج الصعود الإعلامي، ودخلت فترة أخرى فترة التسعينات، ومعها دخلت حلقة الابتعاث فانتقلت من واشنطن إلى مدينة ميلواكي للدراسة في جامعة وسكانسن، وتداخلت مع المجتمع الجامعي في وسكانسن، وترشحت لرئاسة نادي الطلبة السعوديين في ميلواكي.

لم يدم الأمر على هذه الحال، ففي الثاني من أغسطس 1990م حدث الغزو العراقي على دولة الكويت، كان حدثاً مأساوياً غير مسبوق، ترك أكبر تمزق في تاريخنا العربي المعاصر، أصبحت فيه الأخلاق خارج إطار التفكير السياسي.

وعندما أستجمع الذاكرة لأتذكر تلك اللحظات الرهيبة بل أكثر الأزمات تعقيدًا في تاريخنا أدرك هول الكارثة.. أن تصير ضحية لا بواكي لها أمر حزين، وعندما يقوم على هذا الوضع أناس منتسبون إليك محسوبون على أمتك فهذه هي الكارثة بعينها.

اتصلت بالدكتور مساعد الهارون في واشنطن وقلت له: سأظل ممتنًا بعمق لمنحي فرصة مساندة الكويت لمواجهة الحملات المضادة.

قال لي: أشكر لك مبادرتك وأقدر لك موقفك ويمكنك أن تشارك معنا في عرض قضية الكويت أمام الرأي العام الأميركي في الولاية التي تدرس فيها والولايات المجاورة لها منيسوتا وأنديانا وألنوي، وسوف أطلب من الطلاب الكويتيين في تلك الولايات التواصل والتنسيق معك.

كان يقيم في ولاية وسكانسن والولايات المجاورة لها جاليات عربية فلسطينية وعراقية وأفرع منظمات اليسار العربي كمنظمة الطلبة العرب، واتحاد طلبة فلسطين، وبعض دور الصحف وقنوات التلفزة العربية وقد اصطفت لمناصرة الغزو العراقي.

اجتمعت بأعضاء مجلس إدارة نادي الطلبة السعوديين بميلواكي، وأبديت لهم واجب الوقوف مع الكويت كواجب أخلاقي وإنساني، فالكويت إحدى دول مجلس التعاون الخليجي ومساندة لدور بلادنا.

تواصل معي الطلبة الكويتيون واتفقت معهم على الاجتماع في مدينة ميلواكي، عقدنا أول اجتماع في منزلي على أن نبحث عن مكان آخر.

زرت د. محمد أمان عميد كلية المكتبات والمعلومات بجامعة وسكانسن، وكنت سبق أن قابلته في إحدى زياراته للمكتب الثقافي السعودي في واشنطن، وأبديت له موقفنا مع الكويت، وطلبت منه مكتبًا لإدارة حملتنا وقاعة لاجتماعاتنا، فهيأ لنا مكتبًا وقاعة اجتماعات في جامعة وسكانسن.

اجتمعت بالطلاب الكويتيين مرة أخرى ووضعنا برنامجًا زمنيًا يقوم على مواجهة الحملات المضادة التي منطلقها عربي في الولايات الأميركية، والانفتاح على مؤسسات ومنظمات المجتمع المدني الأميركي وقنوات الإعلام الأميركية في تلك الولايات.

كانت السفارة الكويتية في واشنطن تزودنا يوميًا بالمطبوعات والنشرات والكتيبات والأفلام والأشرطة والأعلام واللافتات والبوسترات واللوحات والصور.

تحركنا على نطاق واسع على مستوى الولايات الأربع، زرنا مختلف المدارس الثانوية والمعاهد العليا والجامعات والمنظمات والهيئات والمراكز، وتحدثنا لمختلف وسائل الإعلام الأميركية، فكسبنا تعاطف المجتمع الأميركي في تلك الولايات.

لقد كنت أدرك سلفًا أن المجتمع الأميركي نتاج رؤية أخلاقية، وأنه لا يوجد بلد في العالم تجد فيه العلاقات الشخصية عفوية مثل أميركا، كنا في كل تحركاتنا ولقاءاتنا وأحاديثنا مع الأميركيين ننطلق من هذه الرؤية الأخلاقية، وكنا في حواراتنا ونقاشاتنا وأحاديثنا معهم نؤكد لهم على أن الحق والعدل في القضايا الدولية لا يكفيان ما لم يكن هنالك قوة تقف إلى جوارهما في مسعى للضغط على حكومتهم بإرسال القوات الأميركية إلى الخليج لتحرير الكويت.

مكثنا على هذه الحال قرابة السبعة أشهر، وبعد تحرير الكويت أقمنا احتفالًا كبيرًا في القاعة الرئيسة بجامعة وسكانسن دعونا إليها مختلف الشخصيات والهيئات والمنظمات والكليات والجامعات والمدارس الأميركية التي ساندت الكويت.

لقد بذل الطلاب الكويتيون الذين شاركوا معي جهدًا كبيرًا في عرض الحق الكويتي على الجمهور الأميركي، ونافحوا عن قضية الكويت، وقد اضطلعوا بهذا الدور الكبير في وقت دقيق وظروف لا يمكن وصفها بأنها عادية.