«ليل المبدعين سهر، إذ لا يغمض لهم جفن بين أكوام قواميس اللغة التي تغوص بهم لجذور الكلمات ومنابعها وتصريفاتها واحتمالات تشكلاتها اللغوية، أكوام من الأحرف تبدل مواقعها لابتكار كلمات بلا آخر».

بذلك يصف المختصون في التسميات -سواء تسمية الشركات أو المشروعات الوليدة أو المنتجات- صراعهم مع المخيلة والوقت حتى يتم إسعافهم بالجديد الذي يلاحق تسارع توالد المادة في عالمنا، حتى تحول الأمر لوسواس عند هؤلاء المختصين الذين يُطْلَق عليهم من باب الطرافة لقب «علماء الكلمة المجانين».

ولقد تحولت التسمية لفن تتخصص فيه شركات كبرى عالمية تتنافس بلا هوادة في هذا السياق، إذ يلجأ المنتجون لهذه الشركات لتدشين منتجاتهم بالاسم الذي يضمن نجاح التسويق واستئثار ذلك المُنْتَج بانتباه المستهلك وسط أمواج التصنيع المترادفة.

إذ وكما نشهد حولنا فإن مطْلَب تسمية المنتجات في تسارع مخيف حتى لنخشى أن تعجز القريحة البشرية عن ملاحقته.

إذ للتسمية فنونها العويصة التي بلا شك يدركها كل من رُزِقَ بطفل وعاش صعوبة التسمية النفاذة، ويكمن التحدي قبل كل شيء في تحقيق المبدأ شبه المستحيل (مبدأ السهل الممتنع)، ثم يأتي شرط الإعجاز الآخر ألا وهو ضرورة الاخترال، أشبه من يصوغ رواية في كلمة أو اثنتين، ولا بد من أن تكون رواية ذكية لماحة وبألوان تعبر عن المبدأ الذي تروج له، معادلة أشبه بالمستحيلة، ورغم ذاك لا بد وأن تتم بلا نهاية بقدر تسارع تَخَلُّق الأشياء.

ومن الملحوظ في الأسماء الأكثر تأثيراً ونفاذاً أن هناك من الأسماء ما ينجح في خلق المُنْتَج بينما هناك مُنْتَج يخلق عملقة الاسم. ولعل اسم (أبل) من أهم الأسماء التي انبثقت ببساطة لتتحول لعملاق، المُنْتَج جعل من اسم بسيط ومن مجرد تفاحة رمزاً لصناعة متفوقة، بحيث لا يعود من أهمية للتساؤل عن علاقة التفاحة بأجهزة الاتصال والحواسيب. مما يدفع للتساؤل عن دور الحظ هنا؟

إنه فعلاً نوع من الجنون يمارسه العلماء المتخصصون في الكلمة، هذه المحاورة ليس فقط لمعنى الكلمة وإنما أيضاً لصوتها أو إيقاعها في الأذن والنفس، إذ يضلع العامل النفسي بشكل كبير في نجاح الاسم من حيث قدرته على تحريك المشاعر وإثارته لحميم الذاكرة، ونلحظ ذلك في تسميات مثل (أبشر)، اختيار كلمة من الموروث المحلي للتعبير عن النظام الإليكتروني الذي أطلقته المديرية العامة للجوازات بالمملكة، للتسهيل على المواطنين إجراء التعاملات الخاصة بالجوازات وتأشيرات الدخول وغيرها عن طريق البوابة الإلكترونية الخاصة بالنظام الذي مثل ساحر يقول لك أبشر بإنجاز المعاملات الحكومية وأنت في منزلك. أبشر هو واحد من الأسماء العبقرية التي تشكل واقعنا. وتتزاحم الأسماء التي فرضت وجودها مثل Google، أو Amazon وغيرها والتي فرضت وجوداً جديداً لم يكن معروفاً من قبل. فن وسحر لا نلتفت له بينما هو ماضٍ في صياغة مفهومنا للعالم.