تاريخنا المكتوب لا يشكل سوى صفحة أخيرة من موسوعة كوكب الأرض.. لم يبدأ الإنسان بتدوين التاريخ إلا بعد تعلم تسجيل الأحداث واختراع الكتابة قبل ستة آلاف عام.. غير أن علماء الأحافير يعيدون وجود الإنسان «بأشكاله الأولى» لثلاثة ملايين عام، والإنسان العاقل «الذي يتشابه معنا في القامة وتجويف الدماغ» إلى مئتي ألف عام فقط.. وهذا يعني أن معظم تاريخ الإنسان مجهول وغير مكتوب، وأن الحضارات السحيقة ماتزال مجهولة عطفاً على تاريخنا الطويل على كوكب الأرض.

وهناك مدرستان لتفسير مسيرة التطور الحضاري للإنسان.. الأولى ترى أن الإرث الحضاري يتراكم كـبناء يرتفع فوق بعضه البعض دون انقطاع.. والثانية تقول: إن تقدمنا الحضاري والتقني يحدث بشكل متقطع ودوري ومنعزل - بحيث يبلغ أوجه في زمن معين قبل أن يتراجع ويندثر تماماً، ويعود للبدء من الصفر في مكان آخر!!

وفي الحقيقة قد يكون كلا الرأيين صحيحاً.

فالرأي الأول قد ينطبق على الفترات التاريخية الصغيرة «والحديثة نسبياً».. ولكن إذا فكرنا بالأربعين أو الخمسين ألف عام الماضية، يصبح من المقبول ظهور حضارات متقدمة تقنياً - كحضارتنا الحالية - لا نعـلم عنها شيئاً!

صحيح أننا نعيش حالياً في طفرة تقنية هائلة وزمن تمازجت فيه الشعوب والحضارات.. ولكن ادعاء تفردنا عن غيرنا فيه إجحاف بعبقرية الشعوب القديمة، وتجاهل واضح لعامل الزمن السحيق؛ فالقرنان الماضيان ليسا سوى لحظة من عمر البشرية واشتعال مفاجئ لثقاب المعرفة. وإن كان صحيحاً أن عمر الأرض أكثر من 4,5 مليارات عام فهذا يعني أننا مجرد «ورقة» ضمن موسوعة هائلة تضم ملايين الصفحات «ليست كلها بيضاء بالتأكيد».

وما يُـصعب مهمة العثور على آثار حضارية «تعود لأكثر من عشرة آلاف عام» هي التغيرات الجيولوجية العنيفة التي تعمل خلال هذا العمر الطويل على تدميرها وتحللها بشكل كامل - وهو ما يفسر عدم وجود أي أدلة تم حفظها بطريقة مقنعة قبل هذا التاريخ.

المدهش أكثر أن عمر الأرض ذاتها يفوق بأضعاف أضعاف عمر الإنسان «مهما كان طويلاً ومجهولاً لنا».. فعمر الأرض يتجاوز 4,5 مليارات عام في حين أن عمر الإنسان العاقل يصل إلى 200 ألف عام فقط.. وهذا العمر الحديث «مقارنة بكوكب الأرض» يخلق احتمال ظهور حضارات سحيقة سبقت ظهور البشر أصلاً!!

.. ولـم لا؟

ألـم تكن الأرض «قبل نزول آدم» عامرة بمخلوقات سفكت الدماء وعاثت في الأرض فساداً.