الموقف الرسمي السعودي المشرّف الذي صدر عن المملكة ضد التدخل الأحمق في شؤونها الداخلية، قد يكون مفيداً للحكومة الكندية؛ لأنه ربما أعاد تذكيرها بأن مبدأ «عدم التدخل في المسائل الداخلية للدول الأخرى» يعتبر أحد أهم الأعمدة الأساسية التي تقوم عليها العلاقات الدولية..

صُدم المجتمع الدولي قبل أيام كما صُدم المجتمع المحلي داخل المملكة بالتصرف المتهور الذي صدر عن دولة كندا ممثلة بوزيرة خارجيتها وسفيرها لدى المملكة، بتدخلهما السافر وغير المقبول في شؤون داخلية سعودية، والتحدث عنها بصفة استعلاء لا تقبلها أكثر الدول ضعفاً حتى تقبلها دولة تحتل مكانةً وثقلاً سياسياً وعالمياً مثل المملكة.

ولئن كانت المملكة منذ تأسيسها دولةً تعتز بسيادتها وتحمي هذه السيادة بكل صور الحماية وبكل قوةٍ وصرامة، إلا أن المملكة اليوم تعيش بفضل الله ثم في ظل قيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وسمو ولي عهده القوي الأمين محمد بن سلمان، في أقوى مراحلها، وأعزّ حالاتها، في عهد شهد العالم كله ما اتسم به من حزم وعزم وقوة حسم، وبالتالي فإن حماقة تصريحات المسؤولين الكنديين العدائية ضد المملكة ليست فقط لتجاوزها مبادئ القانون الدولي والعلاقات الدبلوماسية فقط؛ بل حتى لجهلها أو تجاهلها للواقع الذي تعيشه المملكة اليوم من حزم وقوة السياسة الخارجية والداخلية لقيادتها.

لقد جاءت التصريحات الكندية تجمع صوراً من الحماقة والجهل والتعالي الذي يؤسفنا - كسعوديين - أن يكون من صدرت عنهم هذه الحماقات ممثلين لشعب متحضر واعٍ كالشعب الكندي، الذي يستحق من يمثّله، ويقوم على مصالحه وعلاقاته الدولية بشكل أفضل وأكثر عقلانية من وزيرة خارجيته وسفيرها في المملكة؛ إذ اجتمع في تصريحاتهم الخائبة التدخل السافر وغير المقبول في شأن داخلي لدولة مستقلة ذات سيادة، بالإضافة إلى لغة التعالي التي لا تصدر إلا عن أحمق بلغ منتهى الحماقة والصلف، ولم تقف الحماقة عند هذا الحدّ بل تجاوزته إلى تسمية قضيةٍ معينة تخص مواطناً سعودياً، مما يفضح بطريقة غبية جداً أن وراء هذه التصريحات نيات وأهدافاً لا علاقة لها بحقوق الإنسان.

والموقف الرسمي السعودي المشرّف - والمتوقع - الذي صدر عن المملكة ضد التدخل الأحمق في شؤونها الداخلية، قد يكون مفيداً للحكومة الكندية؛ لأنه ربما أعاد تذكيرها بأن مبدأ «عدم التدخل في المسائل الداخلية للدول الأخرى» يعتبر أحد أهم الأعمدة الأساسية التي تقوم عليها العلاقات الدولية في ظل أعراف القانون العام، ومواثيق المنظمات الدولية، والاتفاقيات الدولية، كما أنه من أهم أعمدة سيادة الدول وضمان استقلالها، وهذا المبدأ الذي اتفق العالم كله على احترامه يهدف إلى تحريم كل أوجه التدخلات ضد شخصية الدولة المستقلة ذات السيادة، ومكوناتها السياسية والاقتصادية والثقافية.

وإن مما يجب أن تدركه الحكومة الكندية والعالم أجمع أن المملكة مارست وحمت واعتزت بسيادتها واستقلالها إلى أبعد مستوىً من الحماية والاعتزاز، حتى إنها رفضت المساس بهذه السيادة والاستقلال من خلال محاولات بعض المنظمات أو اللجان الدولية التدخل في أي شأن داخلي بالمملكة، خاصة فيما يتعلق بقضائها وتطبيقها لأحكام الشريعة الإسلامية، حتى فرضت المملكة هذا الاحترام على المعاهدات الدولية التي شاركت في التوقيع عليها، وذلك بالتحفظ على بعض البنود التي لا تتوافق مع أحكام الشريعة الإسلامية، وهي قانون البلاد المطبق.

ودولة لم تقبل أن ينال من سيادتها لجانٌ ذات طابع دولي، تحت ذرائع وحجج مختلفة، وهي منبثقة عن منظمات دولية تزعم أنها تؤدي وظائفها المنوطة بها؛ فإن ذلك يكشف مدى حماقة الجانب الكندي الذي اعتقد ولو للحظات أن تصريحاتهم الاستعلائية السافرة قد تؤثر على اعتزاز المملكة بشريعتها المطبقة وباستقلال قضائها الشامخ.

إن من مبادئ القانون الدولي التي لا تخفى على أصغر دارس للقانون، أن الاختصاص القانوني لدولة ذات سيادة، تحكمه مبادئ أساسية هي:

  • استئثار الدولة وانفرادها بالاختصاص القانوني على الإقليم وسكّانه.

  • واجب عدم التدخل في منطقة الاختصاص القانوني الخاصة بالدول الأخرى.

    وقد أكدت ذلك محكمة العدل الدولية في إحدى القضايا الشهيرة على مستوى العالم، وهي ما تسمى بقضية «اللوتس»، وهي التي وقع فيها حادث اصطدام بين سفينتين تركية وفرنسية، إذ جاء في حكم محكمة العدل قولها: «كل ما يُنتظر من الدولة هو عدم تجاوزها للحدود التي يضعها القانون الدولي على اختصاصها القانوني، وضمن هذه الحدود فإن حقها في ممارسة اختصاصها يرتكز على سيادتها».

وعلى ذلك فإن الاختصاص الإقليمي للدولة يخص ما لها من سلطة التشريع والتنفيذ وبسط قضائها من دون منازع على أراضيها، وكل ما ومن يوجد على هذه الأرض من أشخاص وممتلكات، وهذا الاختصاص القانوني يعدّ من أسمى مظاهر سيادة الدول على أرضها، إذ من خلاله تحمي الدولة وجودها وتحافظ على كيانها المميز عن كيانات الدول الأخرى.

وختاماً فإني أذكّر الحكومة الكندية وسفيرها الخائب أن من أهم غايات البعثات الدبلوماسية بين الدول هو حماية مصالح الدولة التي تمثلها البعثة، والحفاظ على العلاقات الودية بينها وبين الدولة المستضيفة، وتطوير هذه العلاقات بما يخدم مصالح الطرفين. فهل كان سفير كندا وهو يقتحم بحماقة حدود سيادة المملكة يسعى لتحقيق الغاية من تسميته سفيراً لديها؟!

أعتقد أن المواطن الكندي البسيط لا تخفاه إجابة هذا السؤال، وربما يكون أقدر من وزيرة خارجيته على تقييم نتائج الجواب.