في مقال بعنوان «بماذا تفكر السعودية» أكدت حاجتنا لمراكز رصد مستقلة ومحايدة وغير حكومية تستطلع آراء الناس في مختلف القضايا.. اقترحت حينها تصميم موقـع حكومي أو أهلي خاص باستطلاعات الرأي بعنوان «بماذا تفكر السعودية» What The Saudia Thinks؟

ومن دون شك لا يمكن لأي حاكم أو مسؤول - أو حتى إداري في مؤسسة صغيرة - أن ينجح في مهمته ما لم يملك أداتين رئيستين:

  • الأولى: معرفة آراء الفئة المستهدفة.

  • والثانية: القدرة على قياس مستوى الإنجاز والتقدم.

    واستطلاعات الرأي - معرفة توجهات الناس - جزء مهم في كلا الأداتين؛ فالإداري الناجح يحرص على معرفة آراء المستهلكين، وقياس مستوى تقدمه حيناً بعد حين.. هذه الثقافة غائبة عن معظم المسؤولين، ونفتقدها بشدة في وطننا العربي..

    في المقال السابق أشرت إلى أننا لا نعرف مثلاً آراء الناس في الأنظمة الجديدة التي تصدرها الوزارات بين الحين والآخر «فـنكتشف متأخرين رفضها من قبل المواطنين أو عدم مواءمتها للواقع»، كما أننا لا نعرف آراء المراهقين في قضايا اجتماعية وعالمية كثيرة «في حين تعطينا آراؤهم الحالية صورة عن توجهاتـنا المستقبلية».

    وفي المقابل لا تكاد تخلو أي مؤسسة في الغرب - سواء حكومية أو أهلية - من قسم متخصص لاستطلاع آراء الناس، ورصد التوجهات السائدة.. وأذكر أن مؤسسة غالوب للإحصائيات قامت - بعد تفجيرات سبتمبر - باستطلاع آراء المسلمين في تسع دول إسلامية «من بينها المملكة» لمعرفة رأيهم في أميركا ومستوى حبهم لها، وفي نفس الوقت نظمت استطلاعاً داخلياً مماثلاً لمعرفة آراء الأميركان في تلك الدول، ومستوى حبهم وثقتهم فيها.

    أما «معهد دراسات الشرق الأوسط في واشنطن» فيهتم بوجه خاص باستشفاف المستقبل السياسي والاقتصادي والاجتماعي في دول الخليج والشرق الأوسط، ويصدر كل شهر تقريباً استطلاعاً خاصاً بهذه المنطقة، ورغم أنه معهد أكاديمي متخصص يهتم أيضاً برصد آراء المواطنين في تلك الدول «وكثيراً ما اشترت منه وزارة الخارجية حقوق تلك التقارير»!!

    وبطبيعة الحال أتاحت شبكة الإنترنت تسهيل عملية الاستطلاع ذاتها من خلال أدوات إلكترونية خاصة باستطلاع آراء الزوار.. أصبحت - من فرط كثرتها - تتجاوز القضايا السياسية، وتتطرق إلى الآراء الدينية مثل «هل تصدق بوجود حياة بعد الموت؟» أو الصحية مثل «هل تؤيد منع التدخين في الأماكن المغلقة؟» أو الأسرية مثل «هل تؤيد تحديد عدد الأطفال الذي يحق لكل أسرة إنجابه؟» أو حتى تلك الخاصة بشخصية يهم الناس أمرها مثل «رأيك في موقف ترمب من إيران وكوريا الشمالية؟». وجميعها أسئلة تم طرحها في موقع Gallop الأميركي لاستطلاع الرأي.

    ومثل هذه المواقع لا تتطلب تقنية معقدة - ولا تكلف مالاً كثيراً - ولكنها تفيد المسؤولين في اتخاذ قراراتهم، وبناء سياساتهم اعتماداً على آراء الناس وتوجهات الرأي العام.

    وإن عجزت وزاراتنا عن إنشاء مواقع استطلاع كهذه فأقله تخصيص جزءٍ من مواقعها الرسمية لاستطلاع آراء الناس - وسماع اقتراحاتهم - في أي قضية أو تشريع ترغب بطرحه عليهم.