كان العرب يقولون (السفر قطعة من عذاب) لأنهم يقطعون المهامه والقفار على ظهور الجمال، ويواجهون المهالك والأهوال، تهدهم طرق الصحراء الوعرة، الموحشة، الخالية من الماء، المومضة بالسراب، وتهدّدهم الوحوش والهوام، ويعترضهم قُطّاع الطرق والصعاليك واللصوص.. كان السفر قطعة من عذاب.. حتى ولو كان من قرية لقرية.. لقلّة الإمكانات.. وضعف الحال.. وقساوة الصحراء.. وكثرة المهددات وهادّات الحيل..

أمّا في العصر الحديث فقد أصبح السفر نزهة، حتى لأبعد بلدة، فهو يتم على أجنحة الطائرات السابقات للصوت، وتحت أنسام التكييف، وابتسام المضيفات، ومع توفر العروض السينمائية، وشبكات الانترنت، وعلى المقاعد الوثيرة..

لذلك تكاثرت في الصيف وأثناء الإجازات الأسفار تكاثر الظِّباء على خَرَاش، وامتلأت المطارات واختلطت الأمم واللغات، وامتزجت الأجناس بالأجناس، وتزاحم الناس بالناس وزحفت القارات على القارات، من كُلِّ لَسْنٍ وأُمّة، ومن كل جنسٍ ولون..

ولا شك أنّ في السفر متعة وترويحاً عن النفس وامتزاجاً بين الثقافات، وفيه تعارف بين الأمم والشعوب، وتلاقح للأفكار والعادات، بحيث يبقى الأفضل -إن كان هناك رشد- ولكن الإسراف في الأسفار عبء على الاقتصاد: اقتصاد الفرد.. والأسرة.. والمجتمع.. والدولة..

للإسراف في الأسفار عدة وجوه قبيحة، منها التفاخر بالسفر دون غرض أو برنامج، بل لمجرد التقليد وحب المظاهر، ومنها كثرة المصاريف التي في غير وجهها، وخاصة لدى كثير من السعوديين، الذين يصرفون أضعاف ما يصرفه السائحون الآخرون، فهم قد يسكنون فنادق ومنازل يسكن السواح الآخرون فيها بنصف الثمن الذي يدفعه كثير من السعوديين، لأن السّواح الأجانب يحجزون الطائرات والفنادق في وقت مبكر، فيحصلون على أرخص الأسعار، أما كثير من ربعنا فيخطر في بالهم السفر فجأة! ودون برنامج محدد أو خطّة مسبقة! فيدفعون -مقابل عدم التخطيط- أضعاف ما يدفعه الآخرون، ويستمتع الآخرون أكثر منهم، لأنهم يسيرون وفق برامج محددة، ومع مجموعات كثيرة، ويعرفون مسبقاً ماذا يريدون وبماذا يتمتعون -وبأرخص الأسعار- أما العشوائية فإن أصحابها تضيع عليهم أيام السفر في حيرة وتخبط ومصاريف زائدة بلا فائدة..

وكما قلنا فإن العرب يحبون السفر منذ القِدَم، ويُجيدون التنقُّل، رغبة في تحصيل علم، واكتساب تجارب، وصحبة ماجد، واطلاعاً على ثقافات الآخرين، وترويحاً عن النفس، ولكن مع ضبط المصاريف، وإحسان السلوك (ياغريب كُن أديب) كما يقولون.. ومن أشعارهم في الأسفار:

(تَغَرَّبْ عَنِ الأَوْطَانِ فِيْ طَلَبِ العُلَى

وسافِرْ ففي الأَسْفَارِخَمْسُ فَوَائِـدِ

تَفَرُّجُ هَـمٍّ، واكتِسَـابُ مَعِيْشَـةٍ

وَعِلْمٌ، وآدابٌ، وصُحْبَـةُ مَاجِـدِ)

(الشافعي)

(ما عاد أكذب عقـب شافـت عيونـي

بنات من نسل البـوش والسلاطيـن

شفـت الزهـو بناعمـات الغصـونـي

ما دونها حارس على العسر واللين

أحـــد يـــدور للـبـضـاعـة زبــونــي

واحــد تفـسـح قاضبـيـن القوانـيـن

شارع به اجنـاس علـى كـل لونـي

ما داج فيه أهل الحسد والشياطين

يا عـاذل راعـي الهـوى مـا تمونـي

تنقد وعنـك النـاس مـا هـم بداريـن

الناس في سجـات مـا يسمعونـي

الوقت عـدل ومثلـه النـاس عدليـن

ياأهـل العقـول الطيبـة سامحونـي

كل برايـه يحسـب العشـر عشريـن)

(لويحان)

ويرى كثيرون أن السياحة الداخلية أفضل وأجمل، خاصة أن المملكة قارة مترامية الأطراف، فيها المصائف الباردة والمناظر الجميلة، وبين أهلنا ومواطنينا، وسمننا في دقيقنا، يقول الشاعر علي المفضي:

(لا سافروا يقضون بالخارج الصيف

شدّيت عزمي للمصايف هنيّا

اللي بها نفحٍ من الطيب والكيفْ

واحلا هواها من هوا «ماربيا»

بين الرياض وبين نجران وطريف

والخرج والباحه مصيفي مهيا

ولي بالقصيم وبارض حايل عن جنيف

عزٍ يعديني حدود الثريا

والساحل الشرقي قلوبٍ مواليف

تقول للزاير على الصدق حيا

وبالساحل الغربي عيونٍ ملاهيف

بالضحكة العذرا تموق وتزيّا

وفي شرفة الطايف لمن جالها ضيف

غـيمٍ يقـول لشـرفة الـحب هيـا

ولي في عسير اللي على عمري تضيف

عمرٍ جديد وتشبع الروح ضيّا

بالمملكة كنّي بروس المشاريف

ومنين ما وجهت وجهي محيا

احبها من قلب ماهي سواليف

وبطيبها روحي من الحب ريّا

حبي طبع وبعيني جبالها ريف

وبحبها نفسي تسامت عليّا

وفي كل يوم أزيد رفعة وتشريف

وتزهر بقلبي مورقات الحميا

عن غيرها مقفي ومشغول ومعيف

واحبها لو غادي الراي عيّا

محتار من بين الضلوع المهاريف؟

القلب.. والا هي.. بروحي تفيا

احبها واقضَي البرد والصيف

من فضل ربي طول عمري هنيا).

عبدالله لويحان
علي المفضي