دماغ الإنسان مايزال في معظمه لغزاً يصعب فهمه؛ فالمهمة الأساسية للغدة الصنوبرية مثلاً ماتزال غير معروفة بدقة، وهناك شبه فجوات ومناطق ضامرة تحت القشرة الدماغية لا يعرف دورها بالتحديد - ناهيك عن أننا نجهل أين تختفي أخلاقيات ملموسة كالشجاعة والكرم وتأنيب الضمير.

ومقابل جهلنا هذا نملك أرشيفاً ضخماً من الخوارق الذهنية لا يمكن إنكارها، ظواهر ومظاهر تلاحظ لدى الحيوانات بنسبة لا يمكن التشكيك بوجودها؛ فالحيوانات مثلاً تملك موهبة التنبؤ بالزلازل قبل وقوعها بزمن يسير، وتشعر الطيور بمجال الأرض المغناطيسي فتعرف اتجاهها وطرق هجرتها، كما تشعر الفئران عن بعد بما يحدث لأبنائها، وتستطيع الفيلة في الصحارى الأفريقية «شم» المياه تحت الأرض.

وهذه المواهب كلها موجودة لدى «بعض» الناس بنسب متفاوتة، فهناك مثلاً من يشعر باضطراب و»ضيقة صدر» قبل حلول الكارثة، ويدرك رجال البادية الاتجاهات بطريقة مبهمة، وتشعر كثير من الأمهات بمعاناة أبنائهن من أماكن بعيدة، ويستطيع «النصاتون» تحديد مخازن المياه تحت الأرض. الفرق الوحيد أن هذه المواهب تكاد تكون دائمة ومتأصلة لدى الحيوانات، بينما هي ضامرة ومختفية لدى معظم البشر، الأمر الذي ولّد الاعتقاد بأن القدرات الخارقة «كانت» موجودة في الإنسان قبل ضمورها بسبب رقيه المادي وقلة الاستعمال.

وما يؤيد الرأي الأخير الاكتشافات المتوالية لأعضاء بشرية ضامرة يوجد لها شبيه في الحيوان. أكثر من مرة قرأت عن اكتشاف عضو أو «أعضاء» ضامرة في جسم الإنسان، قد تكون مسؤولة عن بعض أحاسيسنا المبهمة.. فقبل فترة مثلاً أعلن في جامعة هارفادر عن اكتشاف آثار عضو ضامر في الأنف البشرية «كان» يلعب دوراً كبيراً في التقاط الإشارات الكيميائية، وهو عضو ضخم وفعال في أنوف الفئران والكلاب، يتيح لها الشعور بالآخرين والتواصل معهم. ومهمة هذا العضو تختلف عن حاسة الشم، حيث يعمل على تمييز الإشارات الكيميائية وربطها بمصدرها، وتقول الدكتورة كاثريندولاك «صاحبة الاكتشاف»: إن وجود هذا العضو يعني أن البشر في العصور القديمة كانوا أكثر قدرة على التواصل والإحساس ببعضهم من خلال الروائح الدقيقة.. وهي موهبة معروفة لدى الحيوانات التي تتواصل من خلال الرائحة، وتتعرف بفضلها الماشية على أبنائها «حيث يملك الجميع وجوهاً متشابهة»!!

ومقابل حيرة العلماء - وأبحاثهم الخجولة في هذا المجال - تظهر المواهب الخارقة بين جميع الأمم.. تظهر من خلال أشخاص تميزوا بهذه القدرات العجيبة، وتم تبجيلهم - أو حتى عبادتهم - بسبب ذلك.. مواهب وقدرات تتضمن الشفاء بمجرد اللمس أو النفث، والقدرة على الاتصال بعالم الجن والأرواح، والسيطرة على الناس أو التأثير على الأشياء عن بعد، والتنبؤ ورؤية المستقبل وتوقع الكوارث القادمة.. ورغم اعترافي بأن نسبة الدجل في هذه الحالات تتجاوز 90 % تظل النسبة المتبقية كبيرة، ويصعب إنكار وجودها بين شعوب العالم المختلفة.. الأمر الذي يعيدنا مجدداً إلى احتمال امتلاكنا أعضاء خفية أو «ضامرة» هـي أصل القدرات الذهنية الخارقة.