تعتمد العقلية الجماهيرية في أي مجتمع على التصورات المشتركة بين أفراده فكراً وسلوكاً، وتمثّل الروح أو المادة التي يبنون عليها نظرتهم للواقع والمستقبل، وتعبّر في مجملها عن الضمير الجمعي الذي يتشكّل عبر الزمن في صورة تكامل وتوافق حول كل ما يستجد من مواقف وتوجهات وقضايا مثارة على أكثر من صعيد، ويخلص في النهاية إلى حالة تصالح مجتمعي بعيداً عن أي موجات للصراع، أو التأزيم، أو الوصاية.

المجتمع السعودي ينخرط اليوم في عقلية جماهيرية للتعبير عن مصالحه، وتلبية احتياجاته، وتقرير مصيره، فلم يعد للتصورات الفردية مكان يستحق التنويه عنها بعد أن تراجعت النخب وقادة الرأي عن التمثيل المجتمعي بعد عقود من الزمن، وأصبح المجتمع في مهمة نوعية نحو بناء تصوراته الجديدة مع واقعه، وليس بحاجة إلى أفراد ينوبون عنه في التعبير والمشاركة.

الأهم في بناء هذه العقلية الجماهيرية هو ثقة المجتمع بنظامه السياسي الذي أصبح يمارس دوره في ترميم المفاهيم، وتوجيه السلوك، وتعزيز الانتماء للكيان، وهو ما جعل هذه الثقة تتنامى وتتغذى من مصدر النظام وليس من أفراد، وانعكس تلقائياً على ردود الفعل التي أثبتت أن السعوديين على وعي تام بما تقوم به دولتهم، وقيادتهم، وليسوا بحاجة إلى وسيط بينهما؛ لأن ما يجمعهما مصير واحد، ووحدة راسخة، وإيمان عميق أن الوطن للجميع.

الجانب الثاني في بناء العقلية الجماهيرية هو الحد من التناقض في السلوك، والاختلاف في وجهات النظر، والازدواجية في التقييم، حيث أصبح المجتمع يؤمن بمشتركاته أكثر من تصورات بعض أفراده، وينطلق في حالة انسجام مع نظامه السياسي نحو بناء قواعد جديدة للعمل والإنتاج، وتحصينها بالوعي والمشاركة، وهو ما جعل الجميع حكومة وشعباً في مهمة نهوض كبرى نحو بناء مستقبلهم، وحياة أجيالهم، فلم يعد هناك تناقض أو اختلاف أو تقييم آحادي مع رؤية وطنية طموحة تجمع مؤسسات المجتمع وأفراده للسير عليها، وتحقيقها، ومبادرات وطنية متعددة تستنهض القوى للعمل عليها.

الجانب الثالث في بناء العقلية الجماهيرية هو الانفتاح على العالم بلغات الإنجاز، والتعايش، والحوار، واستثمار الخبرات والتجارب الدولية، وبناء صورة مختلفة عن السعودية الجديدة؛ فلا أصوات متطرفة، ولا وصاية على أحد، فالجميع يعيش حياته الطبيعية، ويؤمن أن القانون هو الفصل والحَكم، والقيم أساساً لهذا الانفتاح بلا انفلات.

نحن في مرحلة تأسيس مهمة للعقلية الجماهيرية السعودية، وتحتاج إلى مزيد من التطوير، والتمكين، والاستمرار في منهجية العمل المشترك، حيث نعوّل كثيراً على التغيير الذي ينقلنا إلى واقع جديد نعيش فيه أخوة متحابين متعاونين لصالح مجتمعنا.. وهو ما نسعى إليه.