دعوني أخبركم بسر أسري صغير، قبل سنوات صدر قرار بتعيين زوجتي الدكتورة نجـاة رئيساً لقسم الأطفال في مستشفى المدينة، ولأن من مهام رئيس القسم الاجتماع بالأطباء كل صباح.. ولأن معظمهم رجال.. قدمت لها نصيحة لا يعرفها غير الرجال.. نصحتها أن لا تتحدث كثيراً، وتتحاشى التفاصيل الدقيقة، وتتوجه في كلامها إلى أهداف واضحة ومحـددة...

فالرجال - بعكس النساء - يفقدون التركيز ويصابون بالدوار بعد خمس دقائق من سماع أي حديث متواصل.. يحدث هذا حين تتحدث معك زوجتك أو ابنتك لوقت طويل فتصاب بفقد التركيز وتشتت الانتباه بعد خمس دقائق.. يحدث هذا أيضاً (والكلام للرجال) حين تستمتع لتحليل رياضي لأي مباراة، أو تحليل اقتصادي لحركة الأسهم والعقارات.. في البداية تفهم، وتستوعب، ولكنك سرعان ما تفقد التركيز وتصاب بالملل بسرعة..

وفي المقابل، يمكن للنساء الحديث مع بعضهن لساعات (ودون هدف واضح) دون أو يفقدن التركيز أو التشعب في الحديث. يتحدثن لـيس بهدف تبادل المعلومات أو الاستفسارات (كالرجال) بل كوسيلة للتواصل وجس النبض ونقل المشاعر والتعبير عن الذات - ولهذا السبب ينتهي حديثهن غالباً دون نتيجة واضحة...

لاحظ ما يحدث حين تتحدث المرأة مع صديقتها عبر الهاتف.. تقضي ساعات في الحديث معها عن كل شيء، وفي أي شيء، ودون الاتفاق على شيء.. وفي المقابل حين يتحدث الرجال مع بعضهم يكتفون بثلاث عبارات تتضمن كل شيء؛ مثـل: «وينــك؟».. «في الاستراحة».. «خلاص جايكم في الطريق؟»..

الرجال (وهذا شيء يجب أن تفهمه النساء) ينظرون للحديث كوسيلة لنقل المعلومة والاتفاق على نتيجة (ويتضايقون بسرعة من التفاصيل الثانوية والحديث الذي لا ينتهي لشيء).. وفي المقابل تستمع المرأة بالحديث نفسه وتعبر من خلالها عن ذاتها - دون أن يتضمن بالضرورة هدفا أو نتيجة واضحة.. يمكن للمرأة أن تتحدث مع شقيقتها عن ضرورة شراء ملابس العـيد مبكراً وكيف أن ملابس العام الماضي أصبحت صغيرة على الأطفال وكيف أن هناك تخفيضات مغرية في المول الفلاني لا يجب تفويتها كما حصل العام الماضي (إلخ إلخ إلخ)... يمكنهما قضاء ساعتين في حديث كهذا، ولكن حين تتحدث بهذه الطريقة مع زوجها سيصاب بالدوار وعـدم التركيز (لماذا؟) لأنه لم يفهم ماذا تريد بالضبط.. لهذا السبب يجب أن تراعي المرأة قدرات زوجها المحدودة على الاستيعاب وتكتفي بجملة واضحة تتجه للهدف مباشرة مثل: «عـطـنا فلوس بنشتري ملابس العـيد؟»...

وفي المقابل، عـدم فهم الرجل لوظيفة الكلام لدى المرأة يجعله يصفهن بـالثرثرة والبربرة و»الكلام الفارغ».. اسأل أي رجــل حول العالم عن رأيه في النساء سيجيبك بلا تردد «ثــرثـارات».. وهذه الرؤية المشتركة تؤكد تفاوت نظرة الجنسين لوظيفة الكلام واختلاف طريقة التفاهم بينهما (وأعتقد أن تنبه الزوجين لهذه النقطة سيوفر عليهما الكثير من الخلافات)...

أذكر أنني سألت أم حسام بعد أسبوعين عن نتائج نصيحتي لها في اجتماعات القسم.. فقالت: كانت أكثر من رائعة، لم تعد اجتماعاتنا تستغرق أكثر من دقائق أطرح فيها الأهداف مباشرة دون نقاشات فرعية أو أسئلة جانبي.. صمتت قليلاً ثم قالت: هل أخبرك بطريقة أفضل من طريقتك؟ قلت: ما هي؟ قالت: لا داعي للتحدث أصلاً، أكتب ما تريد قوله في (تعميم داخلي) سينظرون إليه لخمس ثوانٍ يذهبون بعدها لشرب القهوة..