في السبعينات وامتد الأمر إلى الثمانينيات وانقطع في التسعينات كان الشعر واحداً من اهتمامات الناس، كنا نردد القصائد العربية، الشعر الجاهلي وقصائد العصور الإسلامية وحتى شعر الحداثة، مع بلوغ الأزمة العربية والإسلامية ذروتها في التسعينات توقف اهتمام الناس بالوعي والثقافة وتوقف الحراك الثقافي أفرغت النوادي الثقافية والمنتديات العربية من روادها، تدني الاهتمام بالشعر كان جزءاً من التعطل الفكري والثقافي الذي أصاب البلاد العربية، في المقابل وكنتيجة طبيعية ارتفع الاهتمام بالشعر الشعبي، كرست له قنوات فضائية وصفحات واسعة في الجرائد ورصدت له جوائز عظيمة وأصبح منشدوه نجوماً يملؤون سماء الثقافة العربية (الخليجية). حتى بلغ بنا الأمر أن نصف ندوة شعرية عربية في إعلاناتنا ودعواتنا بالفصيح كأن الشعر الشعبي أو غيره أصبح هو الأصل وتوجب علينا أن نخبر الناس أن شعر أمسيتنا هذه عربي فصيح. والدعوة عامة للغرباء، كلمة شعر طوال ألف وخمس مئة سنة كانت تعني بشكل تلقائي الشعر العربي الفصيح، وإذا كان غير ذلك فعلى أصحابه أن يحددوا في إعلاناتهم طبيعة شعرهم لا العكس.

جميعنا ننتمي للشعر الفصيح سواء كنا نهتم بالشعر الشعبي أو النبطي أو لا نهتم، الفصيح هو التيار الرئيس الذي يمثل الأمة والواقع في صلب الثقافة العربية، وهذا لم يتعارض مع الشعر الشعبي عند كل فئة اجتماعية، لكل مجتمع عربي أو فئة شعرها الشعبي الذي يخصها ولا يعني سواه من العرب، أزاحه الشعر العربي الفصيح من مركزيته ليكون واحداً من أنواع الشعر المطروح مسألة تعني أن ثمة خللاً في الثقافة السائدة قد تقود لتأسيس أمم عربية تشق طريقها لتبدأ لغتها الخاصة كما حصل في أوروبا، الشعر الشعبي بمثابة الفلكلور المحلي مثل السامري والمزمور والخبيتي.. إلخ، وهكذا في البلاد العربية الأخرى، هذه الفنون الشعبية تبقى في حدود الممارسات الشعبية لا أن تحل محل الفن الغنائي الرئيس. إذا أذعنا لهذا التوجه الثقافي فلن يقف التقسيم الحضاري عند الدول كأن نقول الشعر الشعبي المصري والشعر الشعبي السعودي والشعر الشعبي المغربي، سيقود هذا إلى تقسيم الشعب العربي الواحد إلى ثقافات، سيخرج لنا شعر شعبي حجازي وشعر شعبي جنوبي، هكذا سنجد أنفسنا أكثر من شعب في دولة واحدة.

الشعر العربي كما نقرؤه عند امرئ القيس والشابي ونزار قباني والثبيتي أداة انتماء وتاريخ وقيمة حضارية، عندما نحيد هذا الشعر الذي عاشت عليه الثقافة العربية آلاف السنين بأن نجعله واحداً من أشعار مختلفة (متغيرة) سنجد أنفسنا في مأزق حضاري ينتهي بنا إلى أمم صغيرة تبدأ من الصفر.