مع بدايات القرن الماضي، فسرت نظريات الإعلام تأثير المواد الإعلامية المنشورة عبر كافة الوسائط، عن طريق نظريّات عديدة، بمرور الوقت، اتسع نطاق التأثير بتوسُع وسائل الإعلام، التي انضمت لها أخيراً وسائل التواصل الاجتماعي تحت مظلة الإعلام الجديد الكُبرى، فيما واصلت نظرياتنا الإعلامية دورها في تفسير تأثير الإعلام على تشكيل مشاعر ووجدان الجماهير، الذين ما لبثوا أن تحولوا لمُستخدمين بانحسار عصر الجريدة وشاشة التلفاز، مُفسحة المجال لوسائل الإعلام الإلكترونية التي تجد طريقها إلينا عبر هواتفنا الذكية في مزيج متداخل من النص المرئي والمقروء والمسموع، والتفاعلي.

بالرغم من تغير واتساع أفق بعض التعريفات الإعلامية خلال العقدين الماضيين إلا أن نظرياتنا الإعلامية ما تزال تفسر العلاقة بين مرسل الرسالة الإعلامية ومستقبلها، بل وبين المنصات الإعلامية وبعضها البعض، ويمكننا هنا رصد تطبيق عملي لنظرية ترتيب الأولويات المعروفة بنظرية Agenda Setting في العلاقة التنافسية ما بين المنصات الإعلامية، فمن الشائع أن نرى وسيلة إعلامية كبرى قد أثارت إحدى القضايا المجتمعية وقامت بنشر عدد من القصص الصحفية بشأنها، فما تلبث سائر الصحف والوسائل الإعلامية أن تناقش القضية ذاتها وتتناولها بالمتابعة الإخبارية والاهتمام الشديد إذ تتبدل حينها قائمة أولويات الوسائل الإعلامية وفقًا للمستجدات المطروحة خاصة ما إذا جاءت من إحدى الصحف أو القنوات التليفزيونية العريقة.

إسهام وسائل الإعلام في ترتيب أولويات المُستخدمين، فضلاً عن أولويات وسائل الإعلام الأخرى، ليسوا مظاهر التطبيق الوحيدة للنظرية الإعلامية الشهيرة «ترتيب الأولويات» في مشهدنا الإعلامي، فبدخول مُتغيّر «الأخبار الكاذبة» للتجربة، يُصبح بوسعنا استنباط نتائج مُحتملة عديدة، بعضها جدير بالانتباه والدراسة والتمحيص، وفي مقدمتهم، احتمالية أن تقوم المنصات التي تروج للأخبار الكاذبة ذاتها بتحديد أولوية وسائل الإعلام الأخرى الحقيقية، علاوة على أولويات المستخدمين الذين يتداولونها. ببساطة، تستطيع المنصة التي تروّج لمواد إعلامية مُزيفة، أن تُجبِر وسيلة الإعلام ذات المصداقية على تناول مادتها، إما بإعادة النشر، أو حتى بإفراد قصة أو أكثر للتحقق من صدقها.

في عام 2017 نُشرت دراسة بحثية حول علاقة الأخبار الزائفة بإعادة ترتيب الأولويات الإعلامية، تشارك في إعدادها ثلاثة باحثين من جامعات كولورادو وبوسطن الأميركيتين، تحت عنوان the agenda-setting power of fake news، إلا أنها وجدت أن تأثير الأخبار الزائفة على أولويات الوسائل الإعلامية أو «الأجندة» في طريقه للانحسار بشكل كبير، وذلك بعد متابعة الباحثين لوسائل إعلامية ما بين عامي 2014 و2016، صعودًا وهبوطًا شهدته الظاهرة في السنوات الأربع الأخيرة تؤثر الأخبار الزائفة فيما نتناول من موضوعات وتُجبرنا دون وعي منا على النفي أو التأكيد والتصحيح ثم أخيراً ترضخ الأخبار وتتناول من الوسيلة الإعلامية الكُبرى، من جهة أخرى لم نرَ أي دراسات إعلامية عربية تحلل الظاهرة عن قرب في السوق الإعلامية العربية ما نزال خارج الزمن نكتفي بالممارسات السطحية ونترك الدرس للآخرين.

*مدير التحرير الرقمي