سبق وكتبت تقريراً من صفحتين عن صناعة الأقمار الاصطناعية في المملكة أشرت فيه إلى أن علاقة الدول بالأقمار الصناعية تتدرج على ثلاثة مستويات:

فهناك دول لا تستطيع شراء أو تصنيع أقمارها الوطنية فتعمد إلى استئجار خدمات أو قنوات خاصة بها ضمن الأقمار التابعة للدول الكبرى..

وهناك دول قادرة على شراء أقمارها الخاصة وتكليف شركات أو دول أخرى بإطلاقها بالنيابه عنها..

وهناك دول صناعية متقدمة (كاليابان وكوريا الجنوبية) تصنع أقمارها بنفسها ولكنها تطلقها بواسطة شركات فضائية متخصصة..

والمملكة مرت بكل هذه المراحل حيث بدأت باستئجار قنوات خاصة بها مطلع السبعينيات ضمن أقمار أمريكية وأوروبية.. وقبل نهاية هذا العقد كانت قد أنشأت شركة عربسات لتقديم خدمات الاتصالات الفضائية، وامتلكت النسبة الأكبر منها بما يقارب 37 % الأمر الذي شكل حينها قفزة استراتيجية مهمة في مجال الفضاء.

وفي منتصف الثمانينات بدأت المملكة بإطلاق أقمارها الخاصة (من خلال شركات عالمية) وكانت البداية مع قمر عربسات1 الذي اطلق بواسطة الصاروخ الفرنسي أريان 3.

وكانت حقبة الثمانينات الميلادية مميزة من حيث تأسيس المركز الوطني للاستشعار عن بعد بمدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية.. كانت مهمته في البداية استقبال الصور الفضائية من الأقمار الصناعية لخدمة الجهات الحكومية، ثم تطور ليصبح الأكثر تنوعاً وتقدماً في منطقة الشرق الأوسط في خدمات التحليل والرصد الفضائي.

وفي عقد التسعينات الميلادية بدأت المملكة جهوداً جريئة لتوطين صناعة الأقمار الصناعية وتأهيل العنصر البشري المحلي للقيام بأدوار التطوير والتصنيع والتشغيل للأقمار الصناعية.. كانت السباقة بين الدول العربية في تدريب الكوادر الوطنية ووضع برنامج استراتيجي لتوطين الإمكانات ونقل التقنية والشراكة مع الجهات البحثية والتصنيعية العالمية المتخصصة في هذا المجال.

النقلة النوعية الأبرز أتت بعد العام 2000 حيث أصبحنا نساهم فعلياً في صنع وبرمجة أقمارنا الخاصة من خلال مركز الأبحاث الفضائية في مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية.. فحتى نهاية 2018 تم إطلاق أكثر من 16 قمراً تم بناؤها في معامل المدينة بواسطة مهندسين وعلماء سعوديين.. وكان ولي العهد الأمير محمد بن سلمان (خلال رحلته لأميركا في أبريل 2018) قد وقع مجموعة اتفاقيات تضمنت امتلاك صندوق الاستثمارات العامة حصة كبيرة في مجموعة شركات فيرجن غالاكتيك، وذا سبيس شيب، وفيرجن أوربت بمبلغ مليار دولار بإضافة لـ 480 مليون دولار كخيار إضافي في المستقبل.. وفي المقابل تساهم هذه الشركات الثلاث في دعم جهود المملكة في تطوير أنظمة الرحلات الفضائية المأهولة، وأنظمة إطلاق الأقمار الصناعية بتكاليف منخفضة، وتفعيل قطاع الترفيه المرتبط بالفضاء، وصناعات النقل الفضائية في المستقبل القريب..

وتعاون كهذا سيحقق للمملكة استقلالية خاصة ومميزة لا تملكها معظم دول العالم في مجال الفضاء - ناهيك عن إمكانية استقطاب استثمارات مربحة تتأتى من خلال الخدمات التي ستقدمها المملكة للدول الأخرى.