إنه عالم التقنية والأسرار، والتسلية، والقدرة، والتحدي، فالأرض اليوم تتكلم سيبراني، وحري بنا أن نتعلم، وأن نعلم أبناءنا بجانب الرياضة والسباحة وركوب الخيل، كيف يثبتون للعالم، أننا شعب معجز قادر متجدد متطور..

قبل نيف وعشرين عاماً كنت كغيري أقف أمام الحاسوب وقفة الأمي، الذي عثر على مخطوطة أعجبته زخرفة حروفها، وهو يتمنى لو يجد من يفك له أسرارها.

وكان أن بدأت أجهزة الحاسوب المستنكرة تظهر فوق مكاتب المتخصصين، وبقية الموظفين ينظرون للضيف الجديد، وكأنه ضرب من السحر.

سجلت نفسي ضمن دورة أولية لدراسة ألف باء الحاسوب، وبعدها تعاظم حماسي، فأصبح على مكتبي جهاز ضخم، أظل أداعبه بأقل القليل، وعندما تعجزني أيقوناته، أهرب للعبة الخلية الحرة أو العنكبوتية.

وكان يعمل معنا في نفس القسم شاب سعودي يافع، يحمل الشهادة المتوسطة، وكان مبدعاً في استخدام تطبيقات الحاسوب، وهذا قمة العجب حينها.

دعوته إلى مكتبي، واستعرضت معه عالمه، لأجد أنه يمتلك الأكثر والأجود والأدق فيدخل الإنترنت، ويفهم في البرمجة والاختراق، رغم معاناته من ترجمة مسميات الأيقونات المتشعبة، كي يتسلسل مع تعليماتها ليبلغ مراده.

وأصبح مرشداً لي ولموظفي إدارتنا، وقد ساعدني على إنشاء أول موقع خاص بي على الشبكة، ما زال حتى اليوم يعاند للبقاء.

وبتتابع السنوات تعلمت الكثير بذاتي، وجاهدت في ملاحقة المفيد والجديد لأتوازى مع إبداع أبناء الجيل الجديد، الذين وجدوا الحاسوب كتاب هجاء بالنسبة لهم.

ونسمع في عالمنا عن عمليات اختراق الأنظمة الحاسوبية، والتهكير لحسابات أشخاص ومؤسسات، ودول، ورأينا ادعاء قطر بحصول اختراق وهمي لموقع وكالة أنبائها، وسمعنا عن اختراقات لعدد من الصحف والوزارات والبنوك والمواقع الحساسة.

كما سمعنا في الانتخابات الأميركية الأخيرة عدة تهم لمنظمات أمنية، وأجهزة استخبارات دولية بالتدخل في نتائج الانتخابات عبر سرقة وتزوير رسائل البريد الإلكتروني والاختراق السبراني للأنظمة.

وفي السعودية الجديدة الفتية، التي تعتمد في أغلب تعاملاتها مع الشبكة والحاسوب، كان لا بد لها من رصد الهجمات الإلكترونية وحماية قواعد البيانات بداية من حيث انتهى الآخرون، فكان أن صدر الأمر الملكي بإنشاء الهيئة الوطنية للأمن السيبراني السعودي، والتي ترتبط بمقام خادم الحرمين، وتم تعيين المستشار سعود القحطاني مديراً لها.

وكلمة السيبراني تأتي من المصطلح (cyper security)، الدال على أنظمة أمن وحماية التقنية وتكنولوجيا الاتصالات ونقل وتبادل البيانات.

وهو جهاز أمني متطور تعتمده أغلب الدول المتقدمة، بل وتتبارى وتتفاخر بقدرته وجودته وتمرسه وسرعة تصرفه، حيث أنه يهدف إلى حماية قواعد البيانات الإلكترونية السرية لجميع المواقع الخاصة والعامة والحكومية، ويعالجها بأسرع ما يكون حينما تتعرض للإصابة بهجمات فيروسية، أو الاختراق بالهجمات السيبرانية، كما أنها تسعى لتطوير وتسهيل جميع الأحوال والتعاملات الحياتية من خلال تقنيات عوالم الحاسوب.

وتأتي عناية المملكة بهذه التقنية بقناعة أنها تذهب بعيداً برؤيتها، وتعتمد على الشباب اليافع، ممن رضعوا وارتووا من تطورات التقنية وهندستها وخباياها.

شباب المملكة كانوا وما زالوا من أمهر من تعامل مع التقنية الحاسوبية، والفكر السعودي الحالي لم يعد حبيس أفكار البيروقراطية القديمة، والشروط المتكلسة المعجزة للعاملين في هذا المجال.

العمل السيبراني ليس كلاسيكياً، ولا يرتبط بشهادات معينة، فقد يعجز أكبر مهندس حاسوب عن معرفة ما يتقنه شاب موهوب قد لا يحمل شهادة الثانوية.

والمملكة خير من تعرف كيفية التعامل مع المجتهد المميز منهم، وكيف تثمن جهوده، وتخلق لديه حب الاستزادة والتجويد، وتشعل في روحه المنافسة، وتغذيه بالمعلومات والدورات والشهادات المتلاحقة، وتشركه في مؤتمرات التقنية، حتى تزيد وتدعم وتطور قدراته الفطرية الشخصية.

وها نحن اليوم نعيش مسابقة «هاكاثون الحج»، المنعقدة في جدة بمشاركة آلاف المطورين من الجنسين ومن أكثر من 100 دولة.

استضافة ينظمها «الاتحاد السعودي للأمن السيبراني والبرمجة والدرونز»، تحت إطار مواصلة جهود المملكة لخدمة ضيوف الرحمن.

إنه عالم التقنية والأسرار، والتسلية، والقدرة، والتحدي، فالأرض اليوم تتكلم سيبراني، وحري بنا أن نتعلم، وأن نعلم أبناءنا بجانب الرياضة والسباحة وركوب الخيل، كيف يثبتون للعالم، أننا شعب معجز قادر متجدد متطور، وأننا لا نقف أمام التقنية وقوف الجاهل المندهش العاجز.

وصدقوني أن القادم بكل ما فيه من خير وتقدم يعنينا، نحن شعب الرؤية والحزم، واستشراف المستقبل، بل إنه يعدنا بما هو أفضل وأعظم.