أفرج النظام السوري عن آلاف الأسماء المتوفين في سجون النظام، لم يبلغ ذويهم. تركهم يعرفون عن طريق سجلات دوائر النفوس، ما جرى ليس جديداً أو مفاجئاً بل تعبيراً مثالياً للعلاقة بين حكومة الأسد وبين الشعب السوري.

تقع الأنظمة القمعية ضحية نظامها الأمني، ثمة تبادل نفعي بين النظام وبين أجهزته الأمنية، يخطئ من يظن أن الأجهزة الأمنية لا تملك استقلالية تخصها وتفرضها على الدكتاتور نفسه، الدكتاتور أسير هذه الأجهزة لا العكس، أي حاكم وصل بانقلاب عسكري شهد شعبه هذه العلاقة المتبادلة.

عندما قفز الأسد الأب إلى السلطة قبل أكثر من أربعين عاماً لم يكن يملك أي شرعية، بالعكس كان متهماً بهزيمة سبعة وستين المذلة وبدلاً من أن يحاكم أصبح رئيساً على البلاد بعد انقلاب عسكري وصفه بالثورة التصحيحية، كان ذكياً وقاسياً.

اختلف حافظ الأسد عن أشقائه القتلة الآخرين كالقذافي وصدام حسين أنه كان يحسن إدارة العلاقات الخارجية، كان سياسياً محنكاً، استطاع أن يضع سياجاً بين شعبه وبين العالم الخارجي، وظف إمكانات سورية لتعزيز بقائه في السلطة حتى أصبح كرسي الحكم مكانه الوحيد الذي يمكن أن يبقى حياً فيه، عندئذ أصبح أسير أجهزته الأمنية. كلما تضخمت مخابراته حصلت قياداتها على استقلالية في العمل، لا يستطيع أن يفعل شيئاً يمنعهم فالمصير واحد، فأصبحت مصالحهم هي مكافأتهم، وكما هي حال البشر تتنوع المصالح الأمر الذي يجعل رجل المخابرات الصغير أو الكبير يحقق مصالحه على حساب كرامة الشعب ومقدراته دون حسيب أو رقيب، تعاظمت عزلة الأسد لم يبق له من شرعية ادعاها للاستمرار في السلطة سوى المزيد من القمع.

ورث بشار هذا الحمل الثقيل من الأجهزة القمعية، وجد أن كل شيء في سورية يدار بالمخابرات، تتدخل في أدق تفاصيل الناس وحيواتهم الخاصة، فمثلاً لا تقام حفلة زواج دون تصريح من مكتب المخابرات المحلي، لم يكن أمامه سوى المزيد من الغرق في هذا الجيش الهائل من المخبرين والجلادين والشبيحين.

كان والده يعتقل المشتبه بهم ثم يعتقل كل من يراجع فيهم أو يبحث عنهم ويعتقل كل من يريد أن يعرف مصيرهم، كل معتقل في سورية كان يلحقه عدد من المعتقلين الإضافيين، قد يبدو أن في الأمر عبثاً ولكنها ضرورة لدعم سياسته الخارجية، عندما تضج المنظمات العالمية أو تزداد الضغوط الدولية عليه لإطلاق سراح المعتقلين يعلن العفو ثم يطلق سراح بعض هؤلاء المعتقلين الإضافيين، من الواضح أن بشار اعتمد سياسة اعتقال لا نفاق فيها ولا تمويه ولا تتكلف حتى تبليغ ذوي الضحايا خبر مقتل أحبابهم.