إن ما قد يحدث من أخطاء أو قصور في الأداء، لا يمكن إلقاء العبء فيه على القضاة وحدهم، بل يجب مراعاة الأثر الواضح الجلي لقلة أعداد أعوان القضاة، ولضعف تأهيل أو خبرة الكثير منهم..

كثيراً ما تناول المختصون في أحاديثهم عن القضاء وهمومه، القضاة وأوضاعهم وحقوقهم الوظيفية، وواجباتهم، وتقييم أدائهم وتناول أهمية الدور الذي يقومون به؛ إلا أن هناك غفلة وتناسياً في مثل هذه الأحاديث عن تناول موضوع أعوان القضاء، وأهمية وتأثير الأعمال التي يؤدونها على حسن سير العدالة، وانتظام إجراءات التقاضي، وهذا ما يستدعي تسليط الضوء على هذه الفئة المنسية، والتذكير بأهمية دورهم، وضرورة الالتفات لهم، والسعي للارتقاء بمستواهم الوظيفي بما يحقق غايات وأهداف الخطط والبرامج الإصلاحية في القضاء.

وقد جاء تعريف أعوان القضاء فيما نصّت عليه المادة «81» من نظام القضاء بأنه: «يعدّ من أعوان القضاء كتّاب الضبط، وكتّاب السجل، والباحثون، والمحضرون، والمترجمون، والخبراء، وأمناء السر، ونحوهم، وتصدر لائحة بقرار من وزير العدل بعد الاتفاق مع رئيس المجلس الأعلى للقضاء تبين القواعد والإجراءات المنظّمة لأعمالهم».

ومنذ صدور الأنظمة القضائية الجديدة التي كان أولها نظام القضاء ونظام ديوان المظالم العام 1428هـ وإلى هذا اليوم، ما الذي تغيّر في واقع أعوان القضاء؟ وهل واقعهم هو نفسه ما كان قبل صدور هذه الأنظمة القضائية، وما شهده القضاء من تحولات جذرية؟ أم أن واقعهم أصبح أفضل؟ أم أنه صار إلى تراجع؟

إنه يكفي في بيان أهمية الدور الأساسي المنوط بأعوان القضاء، أنه لا يوجد أي نظام قضائي أو لائحة لتنظيم أعمال القضاء، تتناول أوضاع المحاكم على اختلاف درجاتها وصولاً إلى المحكمة العليا، أو المجلس الأعلى للقضاء وهو رأس هرم القيادة القضائية، إلا وتؤكد في مطلع نصوصها النظامي على ضرورة توفير العدد الكافي من أعوان القضاء.

ففي المادة الثامنة من نظام القضاء عن المجلس الأعلى للقضاء جاء في الفقرة «3»: «يعيّن في المجلس العدد الكافي من الباحثين والفنيين والإداريين..».

وفي المادة «10» من ذات النظام عند الحديث عن المحكمة العليا نصت فقرتها «6» على أن: «يكون في المحكمة العليا عدد كاف من الموظفين من باحثين وفنيين وإداريين وكتاب ومسجلين وغيرهم بحسب الحاجة».

ولئن كانت المواد السابقة أشارت إلى أنه يشترط تأمين عدد كافٍ من أعوان القضاء في المحاكم ولم تتناول جانب تأهيلهم؛ إلا أن المادة «82» من نظام القضاء نصت على أنه: «مع عدم الإخلال بما نص عليه نظام الخدمة المدنية من شروط التعيين، يشترط فيمن يعيّن من أعوان القضاء وموظفي المحاكم أن ينجح في امتحان تحدد إجراءاته وشروطه بقرار من وزير العدل بعد الاتفاق مع رئيس المجلس الأعلى للقضاء»، وهذا ما يؤكد ضرورة توافر تأهيل خاص في أعوان القضاء يتلاءم مع طبيعة دورهم المهم والضروري في تحسين سير العدالة.

ولا يكاد يشكّ أي متخصص يتناول تقييم أداء المحاكم الحالي أن ما قد يحدث من أخطاء أو قصور في الأداء، لا يمكن إلقاء العبء فيه على القضاة وحدهم، بل يجب مراعاة الأثر الواضح الجلي لقلة أعداد أعوان القضاة، ولضعف تأهيل أو خبرة الكثير منهم، مما يكشف بوضوح أن الواقع الحالي في المحاكم مازال بعيداً عن تلبية الحد الضروري من تأمين العدد الكافي والمؤهل من أعوان القضاة.

كما أن الواقع يشهد، وكل مطلع على أوضاع المحاكم يدرك أن بيئة العمل التي تحيط بأعوان القضاء حالياً بيئة طاردة غير مشجّعة، سواء بالنظر إلى عدم وجود المزايا التي تشجّع المؤهل منهم على الاستمرار في هذا العمل، فضلاً عن التفاني والحرص على الإبداع ورفع جودة الأداء، أو بالنظر إلى ما يعانيه الموظف المؤهل الواحد الذي يحيط به عدد كبير من زملائه ذوي الخبرة الضعيفة والتأهيل المتدني، إذ يكون غالب العبء عليه بتكليفه بتدريبهم، أو الإشراف عليهم، ويكون هو في وجه المدفع عند حدوث أي قصور أو خطأ، دون أن يجد مقابلاً مادياً يستحق تحمل هذا العناء لأجله، مما جعل تميزه في هذا الواقع عبئاً ثقيلاً عليه، لا ميزة يفرح بها، وأدى إلى أن الكثير منهم لا يطيق الصبر على الاستمرار في هذا العمل، ويتحين الفرص للانتقال إلى جهات أخرى.

إن من الخلل الذي يجب تداركه ما نشهده من قصور واضح في أعداد وفي تأهيل أعوان القضاء، فتجد القاضي هو الذي يكابد مقابلة الجمهور، وهو الذي يتولى أحياناً ضبط الجلسة على الحاسب الآلي، وهو الذي يتولى بالكامل بحث القضية وتحضيرها وتأمين المصادر العلمية والنظامية التي تحكم القضية، فلا سكرتارية، ولا مديرو مكاتب، ولا مستشارون مؤهلون، وإن وجد منهم القليل فهم كما أشرت قلة في العدد، وضعفٌ في التأهيل، وانعدام تام للحوافز التشجيعية.

إن إصلاح القضاء الفعلي، والارتقاء بمستوى سير العدالة وإنجاز القضايا، والقضاء على الكثير من السلبيات وشكاوى الناس من المحاكم، يتوقف على خطوات جادة وضرورية من أهمها ما أشرت إليه أعلاه.