في كل ليلة تأسرني إطلالتها الأنيقة، وبياضها الأخاذ، فهي لا تخرج من خدرها إلا في الليل، فالليل والسهر قاسمنا المشترك، كلانا يحاول فهم الآخر لكن الخوف والحذر يحولان بيننا، هذه الليلة اقتربت من صومعتي كثيراً، وبدأت أمعن النظر بجسدها الأبيض عن قرب، كانت ناصعة مثل غيمة بيضاء تجلت في الأفق البعيد، فمددت يدي بهدوء لملامستها، وما أن كادت أصابعي تلامس جسدها هربت على الفور واختفت وراء الجدار، إنها فأرة بيضاء لا حمراء ولا سوداء، وبذلك أفشل في محاكاة هذا الفأر وفهم رموزه الخفية ككائن فطري، يعيش في أحيائنا ويتسلل إلى غرف نومنا، ويعبث بأشيائنا الخاصة والثمينة، وعندما نحاول أن نؤذيه ينقل المعركة حتى خطوطنا الخلفية، وينتقم هذا الكائن الضعيف بطريقته الخاصة، مثل أن يعبث بفستان جميل في مناسبة ما، أو يخرق رسالة مهمة.

وللفأر مكانة عظيمة في تاريخنا العربي الغابر، لكن هذا الفأر الأبيض ليس فاراً عربياً بالتأكيد، فالفأر العربي داكن اللون ويميل إلى السواد، إذن هذا الفأر الأبيض هو فأر غريب، والسؤال هو ما الذي جاء بهذا الفأر الغريب إلى منزلي؟ متجاوزاً بيوت كل الرفاق بالعالم العربي، هل هي الصدفة؟ أم أنها جاءت من ركام الحلم الوردي السحيق، في الاشتراكية والحرية ومساندة الشعوب على التحرر من نير الإمبريالية والرأسمالية وما إلى ذلك من تلك الكراكيب الخشبية، التي سقطت منذ أول منازلة، خاصة في العالم العربي، الذي أصبح في يوم ما مركزاً للشعارات الجوفاء، ومرتعاً خصباً للرفاق العرب، الذين أسرفوا كثيراً في انتحال شخصيات نضالية عالمية، بقيت لها شواهد في التاريخ، بينما أغلب الرفاق العرب لم يأخذوا منها إلا الشعارات، وعلى سبيل المثال لم يأخذوا من النضال الكوبي إلا السيجار الكوبي الشهير، ومن الإرث الروسي إلا الكافيار، وربطات العنق الفخمة، لقد فشلوا في كل شيء، في القيم، والتاريخ، والوجدان، والضمير، والنزاهة، ونجحوا في خلق موروث ثقافي بائس، أفضى إلى ما نحن فيه من حروب وويلات وفقر وتخلف، وموجات تشرد طويلة، أولها في البحر وآخرها في اليابسة، خاصة في البلاد العربية التي تشهد حروباً طاحنة.

إن من حق الأجيال التي ولدت تحت الركام، وانفجارات الأحزمة الناسفة، أن يتبرؤوا من تلك الثقافات المعلبة، وأن يتنكروا لكل شيء حتى لآبائهم وأجدادهم، الذين خذلوهم، وجاؤوا بهم إلى هذه الدنيا عبر غرائز غير محسوبة العواقب، على هذه الأجيال أن تحرف بوصلتها مئة وثمانين درجة، وتلغي الكثير من ثقافاتها الخشبية الموروثة، وأن تهدم جدران العزل الأزلية التي عزلتها عن العالم والحضارات الإنسانية لقرون طويلة.