يجب على من يُريد إحداث التغيير أن يخلق قنوات اتصال مع كل المؤسسات المؤثرة شرط أن يقود لواء هذه القنوات منتسبو المؤسسات نفسها، ممن تبرز فيهم صفات القيادة كالتأثير وامتلاك قاعدة جماهيرية عالية في القطاع نفسه..

تحمل الشخصية البشرية عدة تناقضات وازدواجية، منها ما أشار إليها غرين في مفاتيح السلطة، أنه حتى عندما يفهم الناس الحاجة إلى التغيير ويعرفون مدى أهمية التجديد للمؤسسات والأفراد، فإنهم يخشون هذهِ التغييرات «معتقدين أنها ستؤثر عليهم سلباً».. خاصةً إن كان يحمل لواء التغيير والتواصل غير مؤهل أو من غير منتسبي المؤسسة.

والتاريخ يفسّر لنا كيف جرت العادة للتغيير وكيف تصل رسائله بأقل وقت ممكن تاركةً لها أثراً على المدى البعيد، لذا من يُريد خلق سُلطة عن طريق التغيير يجب عليه أولاً أن يتخلّص ممن أُبتُلي بطاعون الفوضى بالمؤسسات إما بتصفيتهم أو بعلاجهم، فمثل هؤلاء يعتقدون أنهم يعيشون في غابة، كالضباع والنسور التي تعيش على صيد الآخرين، فالضبع والنسر من الحيوانات التي لا تستطيع خلق عمل جوهري في الغابة، وتنتظر الجيف ومخلّفات صيد غيرها لتعيش على أثرها، وهنا وجهة الشبه بين هذه النوعية من البشر وبين الضباع والنسور.

ثم يجب على من يُريد إحداث التغيير أن يخلق قنوات اتصال مع كل المؤسسات المؤثرة شرط أن يقود لواء هذهِ القنوات منتسبو المؤسسات نفسها، ممن تبرز فيهم صفات القيادة كالتأثير وامتلاك قاعدة جماهرية عالية في القطاع نفسها.

ولنا في التجربة الصينية التي ذكرها غرين مثالاً يُبرهن ما ذُكر أعلاه، ففي عشرينيات القرن الماضي برز الشاب ماوتسي تونغ كإحدى الشخصيات الشيوعية المهمة في الصين وكان يحمل بداخله مجموعة من الأفكار التي يُريد لها أن ترى النور، وكان مُتأثراً بقصة صينية ذاع صيتها في القرون الوسطى، وتدور حلقاتها حول إنجازات شاب متحمس يُدعى «روبن هود» ويمتلك روبن عصابة من اللصوص يُناضلون ضد ملك فاسد وشرير، وعلى أي حال عندما وصل ماوتسي إلى السلطة لم يكن يملك ترسانة قوية من الأسلحة ولا حتى قوات نظامية وقتها ولا يملك مالاً كافياً لتغيير الشعب واستمالته إلى حزبه الشيوعي، لكنه كان يملك أثمن من المال والترسانة، ألا وهو الفكر الاستراتيجي، فقد كان عسكرياً وفي الوقت نفسه سياسياً.

وكان والده فلّاحا وعلى خبرة كافية بالفلاّحين، وعندما رأى أن الجماهرية تكمُن أولاً في استمالة هؤلاء الفلاّحين؛ لخلق ثورة ثقافية، عمل على خلق قنوات اتصال من الداخل والخارج مع الفلاّحين نفسهم، ثم إنه يعلم جيداً أن شعبه من أكثر شعوب العالم تعلقُاً بالماضي، فكان أول خطاب ألقاه بعد أن وصل إلى السلطة عن التاريخ الصيني وأمجاده.

وسعى ماوستي إلى إصلاحات جريئة فبعدما فتح قنوات اتصال مع الفلاحين، أعلن عن «قانون الإصلاح الزراعي لجمهورية الصين الشعبية» في العام 1950م الذي قرر إلغاء النظام الإقطاعي لملكية الأراضي، وأحل محله تطبيق نظام ملكية الأراضي للفلاحين من أجل تحرير القوة الإنتاجية الريفية وتنمية الإنتاج الزراعي.

كما فتح قنوات أخرى للاتصال مع المؤسسات العسكرية والمدنية كافة في البلد على نطاق عام، فحقق إنجازات عديدة في المؤسسات كافة ولعل أبرزها في المؤسسة العسكرية والفضاء عندما نجح في امتلاك القنابل الهيدروجينية، وإطلاق أول قمر اصطناعي.

وعندما انتهى عهده خلفه في المنصب دنغ شياوبنغ وهو سياسي ومنظّر وقائد صيني شرّع عدة إصلاحات في كل مؤسسات الدولة؛ نظراً لبعض الأزمات التي واجهها ببداية سُلطته. وكان من ضمن الإصلاحات إصلاح وتطوير القوات المسلحة وقد شكّل دنغ هيئات معنية في صُنع القرار في المؤسّسة العسكرية من خلال دراسة التركيبة القائمة والتشكيلات الهرمية أفقيًا وعاموديًا في بنية المؤسّسة ومن ثم شكّل عدة لجان وهيئات يشغلها فقط العسكريون والسياسيون وهي، اللجنة العسكرية المركزية، ومجلس الحكومة (مجلس الوزراء)، ووزارة الدفاع الوطني، ولجنة العلوم والتقنية والصناعة للدفاع الوطني، وأكاديمية العلوم العسكرية.

وقد اعتمد حينها في مهمة الإشراف على قنوات الاتصال، على الضباط والجُند من نفس الحزب السياسي والأكثر تأثيراً في دائرة نفوذ العسكر؛ فهم أعلم بشؤون المؤسسة العسكرية وكيفية إيصال هذا التغيير بشكل إيجابي وحماسي حتى لو كان تغييراً مُقلقاً، فبعض الضباط ممن يمتلكون صفات القيادة وذوي التأثير يعرفون جيداً كيف يغزون أفكار جنودهم ويرفعون من معنوياتهم طوال فترة التغيير، وقد وضع ضباط اتصال أيضاً في جامعة الجيش السياسية «كلية الثقافة العسكرية والتوجيه السياسي»؛ حتى يذيع صيت التطوير ويقوى أثره.

وعلى ضوء ذلك شهدت المؤسّسة العسكرية الصينية تطوّرات كبيرة خلال العقود الثلاثة الأخيرة، إذ إن التطوير قد ساهم بتقدّم المؤسسة العسكرية بشكل ملحوظ على المستويين البشري والتسليح؛ وبالاستعانة بمنتسبي المؤسسة العسكرية أصبح الجيش الصيني واحدًا من أقوى الجيوش في العالم وأهمّها تدريبًا وتسليحًا.

الشاهد من التجربتين الصينيتين أنهما حملا الاستراتيجية والتوجه نفسهما في إنجاح عملية تغلغل الحزب الشيوعي في المؤسسات ككل، وعملية التغلغل ما كانت لتنجح دون إحداث عملية تغيير وتطوير، بدأت بالفلاّحين وانتهت بأعلى هرم في الدولة وهي القوات المسلحة، إنها حتماً عملية انقلاب وثورة عارمة حدثت دون أن يشعر بها الشعب، إنني أُسجل إعجابي بالدقة المتناهية في التخطيط وإجادة توزيع الأدوار، فكل مؤسسة قاد لواء الاتصال منتسبوها، فضرورة نجاح الاتصال مقرونة بالداخل أولاً، ثم إنه لم تحدث ثورة تغيير في القوات المسلحة عبر التاريخ إلا وأحدثت ردة فعل، وذلك يعتمد على الفراغ الذي سيحدثه التواصل الذي يعد واجهة التغيير وصوته، والعبرة هنا.. هل سيكون الاتصال طويل المدى؟.

لذا إن كنت ذا سُلطة لا تُدمّر المألوف وتجلب دُخلاء على المنظومة لا يجيدون استغلال ثغرات التواصل مع الأفراد فالتغيير مقرون بنجاحه بالداخل أولاً.

وأخيراً.. أرى أنّ لا سُلطة على التاريخ سوى سُلطة المؤرِّخ، فالمؤرخ يُجيد دسّ الدروس عبر تفسيره للأحداث التاريخية، فامتثل واستعن بالدّروس!.