حين تتأمل ثقافات العالم تلاحظ وجود مواصفات ثابتة ومشتركة للجمال «تتفق عليها الشعوب كافة» ومعايير تتفاوت بحسب الجغرافيا والتاريخ «فمن يصدق مثلاً أن سمار البشرة وبدانة المرأة كانا من علامات الجمال عند العرب»!

وأذكر أنني كتبت مقالاً عن البدانة أشرت فيه إلى أن «المجتمع الموريتاني» هو الوحيد - في العالم - الذي ما يزال يعتبر البدانة من عناصر الجمال لدى المرأة، والنحافة وبروز الضلوع من عناصر الوسامة لدى الرجل!!

أما في أوروبا فنظمت جامعة أنتيروب في بلجيكا دراسة استطلعت آلاف الآراء حول مواصفات الجمال بين الرجال والنساء.. وفي النهاية خرجت بنتيجة مفادها أن معايير الجمال «في نظر النساء» تكمن في امتلاك الرجل ملامح حادة، وفكاً عريضاً، وقامة طويلة، وجبهة مرتفعة، وحاجبين كثيفين، وكرشاً ضامرة.. أمّا معايير الجمال «في نظر الرجال» فتتمثل في امتلاك المرأة ملامح ناعمة وأنفاً حاداً وشعراً غزيراً وصدراً كبيراً وقامة ممشوقة.

وحين توسعوا في الدراسة «العام 2015» لتشمل عدداً من الدول الأفريقية والآسيوية والأميركية الجنوبية، لاحظوا أنّ معايير الجمال في المجتمعات الصغيرة والنامية تجنح للتفرد، وأحياناً التناقض مع المواصفات المشتركة في المجتمعات المتطوّرة «مثل امتلاك الرجل ملامح أنثوية رقيقة بدل الملامح الرجولية القاسية، وتفضيل النساء الممتلئات والمكتنزات على النحيلات والرشيقات».

ولاحظ أننا نتحدث حتى الآن عن مواصفات الجمال الطبيعية، وليس محاولات التجمل والتبرج التي تختلف وتتفاوت بين شعوب العالم «رغم توحد أدوات المكياج هذه الأيام بين نساء العالم».. وكنت قد استعرضت في كتاب «حول العالم في 80 مقالاً» مشاهداتي لبعض وسائل التبرج الغريبة حول العالم.. أذكر مثلاً أنني سكنت في أمستردام في فندق متواضع ثم فوجئت صباحاً بالمظهر الغريب لخادم الغرف.. كان شاباً خرم أذنيه بقضيب ألمنيوم يبلغ طوله 20 سم، ولف لحيته كضفائر، وعلّق في كل ضفيرة تمثالاً صغيراً. أما الأنف فتتدلى منه سلسلة تنتهي بصفارة ذهبية وكرة معدنية لماعة.. أبديت إعجابي بهذا الخليط الغريب، ولكن لم أسمح له بدخول الغرفة!!

وعدم تقبلنا لهذا النوع من التبرج لا يعني أنه غير موجود في مجتمعات عالمية كثيرة.. فـالنساء في بورما مثلاً يبدأن منذ طفولتهن بتطويق أعناقهن بحلقات نحاسية تعتبر من علامات الحسن والجمال، وفي كل عام يضفن حلقة جديدة لا تخلع إلا في حالة زنا الزوجة (وحينها فقط يسمح للزوج بخلع الحلقات فـيميل الرأس إلى أحد الجانبين بسبب ضعف عضلات الرقبة فتموت المرأة فوراً!!)

أما في الصين واليابان - ومعظم الشعوب الصفراء في شرق آسيا - فما تزال القدم الصغيرة من علامات الجمال حتى يومنا هذا.. ولتحقيق هذا الهدف كانت الأمهات في الصين يعمدن إلى وضع أقدام بناتهن في قوالب خشبية ثابتة منذ طفولتهن لا يخلعنها أبداً كي لا تنمو أو تتضخم بمرور العمر.

.. ولا تستغربوا كثيراً؛ فـنحن هذه الأيام نحيط أسنان بناتنا بأسلاك معدنية يطول بقاؤها، وماتزال الأمهات في «ديار شنقيط» يجبرن بناتهن على تناول كميات كبيرة من الدهون والسمن المصفى.