تمثل مسألة العلاقة بين الإنسان والخطيئة مسألة جوهرية في جميع الأديان لاسيما السماوية منها، فلقد أكدت هذه الأديان على أن الإنسان خطاء بطبعه، وأن باب التوبة مفتوح أمامه حتى آخر يوم في حياته. وعلى الرغم من اعتراف الإنسان بهذه الحقيقة إلا أنه يتناسى دائما خطيئته ويركز على خطيئة الآخرين مما يولد في الكثير من الأحيان حالات من النفور وقد تصل إلى القطيعة بين الناس. مع العلم أن خطيئة الإنسان لها شقان: أحدهما يتعلق بعلاقة الإنسان بربه، وهنا يكون الله صاحب المشيئة في العقاب أو العفو الأخروي. ويتعلق الجزء الآخر بعلاقة الإنسان بالآخرين، وهنا يكون المتأثر بالخطيئة له الحق في المطالبة بحقه أو العفو. وفي كلتا الحالتين تكون الدولة بمؤسساتها المختلفة هي صاحبة القول الفصل في التعامل مع الوضع، ومنع الاعتداء على الحقوق حفاظاً على تماسك المجتمع.

أما الإنسان المطلع على خطيئة غيره فقط فعليه إدراك أنه هو نفسه خطاء بطبعه، فلا يفرح بما يقع فيه الآخرون أو يساهم في نشر مثل هذه الأخطاء، كما نرى في وسائل التواصل الاجتماعي، ويحاكمهم وكأنه ملاك لا يخطئ. إن مثل هذا الإدراك ومثل هذا التعامل الحضاري مع الآخر المخطئ هو إحدى سبل التعايش السلمي في المجتمع.

ولقد عكست مواقف الأنبياء - عليهم السلام - إدراك هذه الحقيقة، وتعاملوا مع المخطئ تعاملاً تربوياً رائعاً؛ فلو رجعنا إلى سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم لبرز لنا موقف المرأة التي وقعت في خطيئة الزنا، وقد جاءت إليه - عليه أفضل الصلوات وأتم التسليم - وهو في المسجد مع صحابته طالبة منه أن يطهرها، أي يقيم عليها الحد. فما كان منه إلا أن احمر وجهه وشاح بوجهه عنها، وكأنه لم يسمع منها شيئاً. فكررت طلبها عليه بإلحاح، وكانت حينها حاملاً، فطلب منها الذهاب حتى تضع مولودها. وكان هدفه - صلى الله عليه وسلم - إتاحة الفرصة لها للتوبة الذاتية مع الله ومواصلة حياتها، ولكنها وبدافع رغبتها الجادة في التطهر جاءته بصحبة مولودها، فطلب منها الذهاب حتى تفطمه، وهو يهدف من ذلك إلى ما هدف إليه من طلبه الأول، فجاءته بعد الفطام وأقيم عليها الحد. ففي هذه القصة لم يدنها النبي - صلى الله عليه وسلم - بخطيئتها، ولم يسارع بإقامة الحد.

وهذا يتشابه كثيراً مع موقف النبي عيسى - عليه السلام - مع المرأة الزانية التي طلبت منه إقامة الحد عليها. فبينما كان - عليه السلام - جالساً يعلم أتباعه جاءه معلمو الشريعة والفريسيون بامرأة قيل إنهم قبضوا عليها وهي تزني، فأوقفوها في وسط الحضور، وأخبروه بقصتها، وطلبوا منه رجمها طبقاً لما جاء في شريعة موسى - عليه السلام -، فانحنى - عليه السلام - يكتب بإصبعه في الأرض وكأنه لم يسمع شيئاً، فلما ألحوا عليه في الطلب، رفع رأسه وقال لهم: «من كان منكم بلا خطيئة، فليرمها بأول حجر». وانحنى ثانية يكتب في الأرض، فلما سمعوا ما قال خرجوا واحداً تلو الآخر، وبقي عيسى - عليه السلام - مع المرأة في مكانها، فسألها يسوع: أين هم يا امرأة؟ أما حكم عليك أحد منهم؟ قالت: لا يا سيدي. فقال لها: «اذهبي ولا تخطئي بعد الآن».

فلماذا يسارع الكثير منا إلى التشهير بالمذنب، ويحاكمه ويتناسى هذه الحقيقة؟ كما يتناسى أنه لو طلب منه إلقاء الحجر الأول بصفته بلا خطيئة سيلوذ بالصمت وينسحب!