القائد الضرورة هاجسه على الدوام حماية وطنه كما هو رقي شعبه، فلا يكون وطنه حصناً مهدداً من داخله، ولذا تكون عينه دائماً حول ما يقوي لحمة شعبه وتكاتف أبناء وطنه وتعزيز روح المواطنة من خلال الشعور العام بقيمة مشروع يتحول إلى واقع يمكن قياس عوائده ونتائجه..

يحفل التاريخ بسجل القادة الكبار، وتردد الشعوب بفخر أسماء قادتها الكبار الذين كان لهم دور كبير في انتشالها من أزماتها، أو الانتصار في حروبها، أو تقديمها لواجهة الأمم الحية والناهضة والمتقدمة.

مؤسسات الحكم اليوم في الدول المتقدمة لم تلغ دور القادة الكبار، ولم تبتلع أدوارهم، ولم تضعف توهجهم.. ولكنها عملت على ضبط مسار عملية الحكم واتخاذ القرار ومراقبة الأداء.. وتوفير الفرصة للترقي السياسي واكتشاف النبوغ وتقديم الكفاءة.

وتكون الحاجة أكثر أهمية لهؤلاء القادة في دول ومجتمعات لا تتوافر فيها مثل تلك المؤسسات أو يضعف دورها أو لم تتطور بما يكفي لتكون أداة توازن بين الحاكم والمحكوم أو بين السلطة والشعب.

في سجل التاريخ ستجد القادة المؤثرين يتبوؤون الصدارة، إنه يشيد بإنجاز الكبار منهم، الذين تبقى شعوبهم على مر الأجيال تذكرهم وتفخر بهم، وتعتز بمراحلهم في فصول تكتبها وتستعيدها.

يحمل القائد الضرورة صفات شخصية تكاد تكون سمة لازمة، وقدرات لا يمكن تجاوزها.. فهو مسكون بهاجس تحقيق الإنجاز الكبير، لا يتوقف عن التفكير في مصير أمته وشعبه، حراكه ونشاطه لا يتحمل التردد والتثاؤب، عيناه دوماً على الهدف بعد أن آمن به وتيقنه.

ليس بالضرورة بل ولا بالأهمية أن يكون القائد مفكراً أو عالماً، ولكن يكفي أن يملك من المواهب والقدرات ما يمكنه أن يتبنى طريقاً رسمه الرواد من المفكرين والمصلحين ليخوض في مساره بعد أن تيقن أنه الطريق الأمثل لمسار لابد منه ولابد من بلوغه.

يتمتع القائد الضرورة بحس سياسي فطري، يجعله يعيد ترتيب الأولويات بما يحقق له الإمكانات لصناعة النجاح الذي يهدف إليه، فهو مسكون بتحقق المجد، ومجده الإنجاز الكبير الذي عجز عنه أسلافه.. وهاجسه ألا تتراكم العثرات في طريقه، لذا فهو مشغول على الدوام باجتثاث الأشواك وتمهيد الطريق.

القائد الضرورة مسكون بمشروع وطن، مسكون بالمجد، وهذا حق له، إذا حقق لشعبه ما يصبو إليه، ورفع مكانته وأعلى قيمته وارتقى به في صف الأمم الحية والناهضة.

القائد الضرورة يستهدف أن يكون في سجل الخالدين، وليس في سجل أثرياء المال والطين، والتاريخ أيضاً له إنصافه ومجده، فكم من أثرياء مروا على أرض الله لم ينالوا حتى إشارة عابرة في سجل التاريخ.. إلا من سخر ماله في خدمة أجيال وأجيال جاؤوا بعده.. وحيث لم ينل من عمله تعاقب الزمن ولم يخبُ المردود.. ومازالت أوقافهم ومشروعاتهم الخيرية تضيف إلى الإنسان ما يخفف العناء أو يرفد النجاح.

لو لم يقم «ليلاند ستانفورد»، الثري الأميركي وقطب السكك الحديدية، ببناء الجامعة التي تحمل اسمه، ويوقف عليها أملاكاً كثيرة لم يتوقف التاريخ عند اسم ستانفورد.. ولو لم يبن «جون هوبكنز» جامعته الشهيرة في أحياء السود والفقراء في ماريلاند، لربما لم يكن له مجرد ذكر، ولرحل بما يملك إلى سجل النسيان.. والأمثلة كثيرة.

والقائد الضرورة يحيط نفسه بكوكبة مؤمنة بمشروعه، ومتجردة للعمل من أجل وطنها وأمتها.. وكم تعثر مشروع كبير بسبب متنفذين انتهازيين لا هم لهم إلا مراكمة ثرواتهم على حساب وطنهم.

القائد الضرورة يملك حاسة فائقة في فرز مساعديه، ولا يقبل أنصاف موهوبين أو انتهازيين.. ولا يتضجر من اختلافهم معه في الرأي، ولا يتوانى أن يبحث عن كل نقاط الضعف والقوة في مشروعه.. ولا يتردد في الانحياز للحقيقة والفضيلة والحق والخير..

القائد الضرورة منحاز لشعبه أولاً، قريب منه، هو قوي بشعبه ووطنه. هذا الكم الهادر يستشعر صدق قائده، ويقف معه ويدافع عنه، ولن يعجزه أن يكون صداً منعياً يحول دون أن تنال منه أيدي المتضررين والراغبين في إزاحته أو تعطيل مشروعه.

القائد الضرورة هاجسه على الدوام حماية وطنه كما هو رقي شعبه، فلا يكون وطنه حصناً مهدداً من داخله، ولذا تكون عينه دائماً حول ما يقوي لحمة شعبه، وتكاتف أبناء وطنه، وتعزيز روح المواطنة من خلال الشعور العام بقيمة مشروع يتحول إلى واقع يمكن قياس عوائده ونتائجه.

إذا رأيتم من يتمثل تلك الصورة فاعلموا أنه القائد الضرورة لا محالة.. حتى وإن زعم الكثيرون أن زمناً مثل زمننا لا يحتمل القائد الضرورة.. بل هو ضرورة حتى في دولة مؤسسات راسخة.. ومن صنع تلك المؤسسات أصلاً لولا إن كان ثمة قادة يندر أن يجود الزمان بمثلهم.