آيسلندا جزيرة باردة تقع شمال المحيط الأطلسي بالقرب من الدائرة القطبية، لم يسمع بها كثير من الناس لولا مشاركتها مؤخراً في منافسات كأس العالم في روسيا.. منعزلة دولياً وتاريخياً بسبب بعدها الجغرافي وتغطية الثلوج لثلاثة أرباع أراضيها.. ورغم أن الآيسلنديين شعب قليل ولكنه راق ومتحضر وبلغت نسبة المتعلمين لديهم 100 % قبل معظم الأوروبيين، وهناك ما يثبت أنهم أقدم شعب مارس الديموقراطية وحرية الرأي وسبقوا البريطانيين في هذا الفضل بثلاثمائة عام على الأقل.

ويشكل الآيسلنديون وضعاً فريداً بين شعوب العالم من حيث التجانس ووحدة العرق، فقد وصل آباؤهم الفايكنج إلى تلك الجزيرة قبل ألف وأربع مئة عام من الدنمارك وعاشوا منذ ذلك الوقت تقريباً في عزلة وعدم اختلاط بالأعراق والشعوب الأخرى.. وهذا التجانس الفريد -ناهيك عن انحدارهم من قبيلة واحدة- يعـد منجم ذهب بالنسبة لعلماء الوراثة وخبراء الهندسة الجينية.

ولأن الآيسلنديين يتميزون بنقاء عرقي مرتفع يصبح من الأسهل دراسة صفاتهم الوراثية بأثر رجعي (كيف تبلورت، وكيف انتهت إلى ما هي عليه اليوم)، وما يجعل الآيسلنديين مفضلين على غيرهم من شعوب العالم ليس فقط تجانسهم العرقي (فاليابانيون أيضاً متجانسون نسبياً وينحدرون من قبيلة واحدة) بل امتلاكهم سجلات مكتوبة للأنساب والسلالات تعود إلى ألف عام مضت.. والأفضل من هذا أن الحكومة أنشأت خلال السبعين عاماً الماضية أرشيفاً وطنياً لتسجيل وحفظ عظام وأنسجة المتوفين في الجزيرة (والتي كان يحتفظ فيها مليون مواطن في بيوتهم)!.

من أجل هذا كله اختيرت آيسلندا مقراً للمؤسسة العالمية لأبحاث الوراثة والسلالات البشرية، فمن خلال متابعة الصفات الوراثية بأثر رجعي (وضمن شعب نقي وشبه متجانس كالشعب الآيسلندي) يُسهل على العلماء البحث في كيفية تناقل الصفات والأمراض والعاهات الوراثية.

وكانت مؤسسة الأبحاث الآيسلندية قد بدأت أعمالها قبل عشرين عاماً بدراسة سبعين أسرة متجانسة عرقياً لها تاريخ طويل مع أمراض معينة كالقلب والربو وانفصام الشخصية.. ولأن الميراث الجيني لهذه الأسر متجانس وموثق استطاع الباحثون بسهولة تتبع الجينات الوراثية المسببة لهذه الأمراض وفهم طبيعة انتقالها.

وبفضل نشاط هذه المؤسسة (التي يرعاها عدد متزايد من مؤسسات البحث في أوروبا وأميركا) تملك آيسلندا حالياً أضخم وأشمل قاعدة بيانات وراثية في العالم.. أصبحت جميع الشركات المتخصصة تملك فروعاً لها هناك وأصبحت قاعدة بياناتها المتراكمة من أهم صادرات آيسلندا!.