"غالباً ما أصور النساء كنبع للميلاد؛ لأن النساء فقط يمكنهن منح الحياة، لا يمكنني فهم الطريقة التي يتم بها اختزال النساء إلى مجرد رموز جنسية. بذلك يقدم لقناعاته الفنان الفرنسي جوليان مارينيتي Julien Marinetti، من مواليد عام 1967، الذي اشتهر بتجاربه التجديدية، هذا النحات والرسام مبتكر الشخصية الشهيرة "الكلب جون Doggy John"، كلب السيراميك الذي تفتقت عنه قريحة الفنان بمناسبة عام الكلب في التقويم الصيني، الكلب الذي بدأ كمغامرة طريفة أو كنافذة يسترقها لثقافة الآخر، ولم يلبث أن تحول إلى رمز أيقوني عالمي، يتجول به لما يقارب العقدين من الزمان باعثاً البهجة في محبي الفن في مختلف متاحف العالم شرقاً و غرباً من المدن الفاعلة على خريطة الفن، أو تلك الأقل بروزاً من مراكش لطوكيو ومن باريس لنيوريورك وميامي وبرلين وغيرها، وتتمحور أعماله حول ما يُسمَّى "توفيقية الفن syncretism of art"، هذا المزج بين أنواع الإبداع الفني، خصوصاً النحت والرسم ومن التجسيد للتجريد، ما يجعل من الصعب حبس أعماله في مدرسة فنية بعينها، حيث يقوم بإنجاز المنحوتة، وهي غالباً منحوتات تمثل دببة الباندا أو كلاب البولدنج أو البطاريق، تتجسد من الفخار أو البرونز بأحجام ضخمة أو مقاربة لأحجامها الحقيقية، ثم لا يقاوم تشكيلها بالألوان أو الراتنج، لتتحول المنحوتة لما يشبه الكانفاس، تغطيها أخيلته التجريدية، التي يعالجها بالفرشاة أو يضيف لكمالها من خلال تقنية الفوتو شوب، ما جعل النقاد يلقبونه بالفنان الكامل أو فنان الكمال، وذلك لكونه لا يتورع عن ولا يفزع من فعل التدمير في سبيل إعادة الخلق والبناء من جديد بوساطة الحفر والتمزيق واللصق، مستخدماً مواد لا تختلف في بساطتها عن بساطة الطين الذي خلق منه آدم، فهو يغوص في اللاوعي، ويستنطق خبايا النفس، كمن يخضع لجلسة تحليل نفسي، أو لكشف خبايا النفس ومشاركتها مع المتلقي من خلال إعادة تدوير الورق المقوى والخشب والخرسانة، ما يترك المتلقي فنه في حالة من الذهول أمام صراحته وجرأته في كشف مواطن حساسة وموضوعات حرجة حميمة، بل مواطن من الإثارة أو إعادة قراءة للطروحات الأسطورية المنسية، لكنه وفي كل ذلك ينجح دوماً في تجنب الوقوع في الابتذال والأفكار ووسائل الطرح المستهلكة، بل على العكس فإنه ينجح وبعفوية في تحويل العادي لما هو غير عادي، مرتقياً به لمستويات إبداعية رفيعة المستوى ومشبعة فكرياً.

إن ما يميز نتاج جوليان مينيتي هو هذا الفضول الذي يدفعه إلى الغوص في ثقافة الآخر والغوص فيها والخلوص بخلاصة هي عبارة عن كولاج من ثقافة الشرق والغرب، مزيج ينجح في لم الشمل الثقافي شرقاً وغرباً، شمالاً وجنوباً، يخلق أرضية جمالية وسيطة لا يملك المتلقي مهما اختلفت أعراقه وميوله الثقافية إلا الاستجابة لها ومحاورتها.

تجربة جوليان مينيتي هي بحق من التجارب التي تلغي الحواجز الصارمة بين الثقافات والحضارات، وهي من التجارب التي يحتاجها عالمنا الذي تتهدده الفيضانات العِرْقِية والانزلاقات الأرضية التي تطمر المحاولات التوفيقية بين الشعوب، عالمنا الذي تجرفه الهجرات وحركات مقاومتها، والعنف الناجم عن ذلك المد والجزر، مد لا ولن ينجح في تغيير مسار عالم ساع في سبيله حثيثاً ليتحول لمرجل لخلط الألوان والدماء وعصارات الإبداع.