أتّفق مع مَن يذهب إلى أنّ حدود الحُرّيّة كمفهوم؛ يضعنا أمام إشكال مركزي مُربِك، يجعلنا نحتار في مَوْقَعَتِها في وعينا وإدراكنا، بل إنها أيضاً تُعدُّ مُعضِلة مُحرِجة لنا، كونها تضع أفكارنا وقناعاتنا موضع تساؤل، كما أنها تُزعِج الاطمئنان الوهمي لممارستنا الحياتية واليومية، ولذلك تُثار حول الحرّية وحدودها وسلطة المجتمع عليها، وكذلك حدود سيادة الفرد على ذاته الأسئلة ولن نظفر بإجابة شافية حولها؛ فشساعة المفهوم»الحرية» تحول دون القبض على توصيف جامع مانع.

ومع ذلك فنقد الخطاب الثقافي الساذج الحاصل في وسائل التواصل الاجتماعي، ونقد اللحظات المُبتذلة التي يشهدها الحضور اليومي للكثير من أسماء لامعة ومعروفة يستدعي التوقُّف والتأمُّل..!

وسائل التواصل الاجتماعي بكافة منصّاتها باتت مرتعاً خصباً لسلوكيات غريبة؛ ومكمن الغرابة في أنها تصدر من أسماء كانت في تصورّنا متماسكة ورزينة ورصينة، إلا أنها كانت رصانة خادعة ومضلّلة، فاقمها تلك اللغة الفاشيستية التي تتلبّس أغلب كتاباتها، فلم تعد تميّز بين الصورة الذهنية المطبوعة في ذهنك عن تلك الشخصية وبين الصورة الهوائية والسطحية التي تتخايل أمامك بكل صلافة وبلا حياء أنطولوجي ذلك الحياء الذي توقّف أمامه فردريك نيتشه ليؤكد إننا لم نعد نعتقد أن الحقيقة تظل حقيقة من غير ستارها. ويقرر: «لقد عمّرنا ما يكفي لكي نؤمن بذلك. أصبحنا نعتبر أن من باب الحشمة والحياء ألا يرغب المرء في أن يرى كل شيء في عرائه.. وعلينا أن نمجد أكبر التمجيد الحياء الذي تتحلى به الطبيعة، والذى يجعلها تتستر وراء الألغاز وعدم اليقين».

تحت عنوان «هل مازالت لنا حياة باطنية؟ يعبّر المفكر المغربي عبدالسلام بن عبدالعالي عن حالة السخط والدهشة اللتين تنتابان المتابع للمشهد الثقافي العربي على عمومه حيث يكتب متحسّراً: «تتملكني الدّهشة أحياناً مما أراه على صفحات المواقع الاجتماعية من استعراض مفرط لما كان يسمى حتى وقت غير بعيد حياة (الباطنية)». ربما كانت صفحات فيسبوك وتويتر اليوم أنجع وسيلة للنشر. لا أقصد فحسب نشر ما يجول في الخاطر من أفكار وما تخطه اليد، وإنما نشر «كل الغسيل»، نشر كل ما يخالج النفس ويخطر بالبال، نشر الحياة الباطنية بكاملها، والكشف عن الأذواق والإحساسات والميول والعواطف، واستعراض كل الحركات والسكنات. ربما لا تشكل هذه المواقع إلا صورة قصوى لما يطبع الحياة المعاصرة من«عُريّ» تعكسه شاشات التلفزيون، التي لا ترى مانعاً في أن تنشر كل شىء عن نجوم السينما والغناء، وحتى نجوم السياسة والثقافة، بحيث لا تكاد تميز بين ما كان يعتبر «شأناً خاصاً» وما يحسب على الشأن العام. كان الكاتب الفرنسي جورج برنانوس قد تنبأ أوائل القرن الماضي بما ستؤول إليه الأمور عندما كتب: «إننا لن نتمكّن من فهم حضارتنا ما لم نسلم بدءاً أنها تآمر ضد أي شكل من أشكال حياتنا الباطنية».

فهل تحققت نبوءة برنانوس وسلّمنا بمؤامرة الحضارة ضد حياتنا الباطنية؟